Tue 26, Mar, 2019

السعودي الذي رأيت

Sun 10, Feb, 2019

بندر الحطاب

406

المقالات

Image

أوجس الشرطي في نفسه خيفة وطلب مني بكل لباقة ابراز أي هوية إضافية، عرفت حينها أن ظروف الموقف وبطاقة الأحوال الصادرة من مدينة القريات رغم أن الاسم يدل على أنني من مدينة الباحة دعت الشرطي للتأكد أكثر. وفعلا قمت بإعطاء الشرطي رخصة قيادتي الصادرة من أبها، فنظر لي مجدداً نظرة فهمتها بدون حديث، فأخرجت له جواز سفري الصادر من حائل، وارتفعت حواجب الشرطي أكثر وبدون حتى أن يسأل قمت بإعطائه بطاقة العائلة الصادرة من جدة وبطاقة العمل الصادرة من الدمام، هذه المرة انطلقت ضحكة الشرطي عالياً وهو يشير الي بالمغادرة قائلاً: "تفضل، لو مزورهم ما تسوي كذا".

من مزايا المهام التي توليتها خلال مسيرتي المهنية أنها عرفتني على مختلف ارجاء هذا الوطن العظيم مترامي الأطراف، تضاريس وأجواء و ملامح ولهجات وطباع وملابس وأكلات متنوعة بشكل مذهل، لكني رأيت شيئا مشتركاً بين السعوديين، وشيئا نادرا بينهم.

النادر كان أن أقابل سعوديا يتقبل الهزيمة، رغم أني قابلت الصغير والكبير و الغني والفقير، حتى عندما يفشلون، تجدهم يحدثونك بكل صلابة وثقة عن خطتهم القادمة للحصول على ما يريدون.

أما ما وجدته مشتركا بين كافة أطياف السعوديين هو أن السعودي مضياف بطبعه، لن أنسى ضابط المرور في بيشة والذي أقسم على أن نتغدى سوياً رغم أن معرفتنا لا تتعدى الثلاثين ثانية التي سألته فيها عن اتجاهات الطريق، وصاحب الوجه السمح في بلجرشي الذي عاتبني على أنني أبحث عن فطور قرب صلاة الظهر ثم توسط لي لدى العمال ليفتحوا المطعم ويقدموا لي وجبة أصر أن لا أدفع ثمنها، لأكتشف لاحقاً أن هذا الرجل ليس سوى العم خلوفه نفسه صاحب محل الفول الشهير. دعك من القطيفي الذي أدخلني أزقة القديح ليعزمني في مطعم مشويات شعبي فهو صديقي، الجالسون حولنا من أهل القرية ميزوا اختلاف شكلي ولهجتي وتسابقوا في الترحيب وفسح مكان لي، بل وطلبوا من المباشر أن يقدم طلب "الضيف" على طلباتهم. أما في الاحساء فوجدت صديقنا في العمل يقف مبتسماً خلف والده، والذي عندما علم بزيارتنا، أصر على أن يستقبلنا ويكرمنا هو بنفسه. ليس الأمر اختيارياً، الحائلي كاد أن يحتجزنا ليضمن حضورنا ل "الشبه" تلك الليلة، النجدي رآني غريباً على الحي داخلا للمسجد وقت أذان المغرب في رمضان فلم أكد أرد عليه السلام حتى رأيت نفسي جالساً بين أبناءه وأرحامه في مجلس بيتهم الملاصق للمسجد. هل جربت الخروج مع شباب جده؟ يجعلونك تشعر أنك صديقهم منذ الطفولة رغم أنك لم تخبرهم اسمك بعد، اما الجيزاني فيعتبر سعادتك وانت في ضيافته شرفاً لن يتنازل عنه.

لطالما كنت أتمنى أن يعرف العالم السعودي كما هو فعلاً، وليس كمجرد سائح أو رب عمل. حتى ما ينشر عنا في وسائل الإعلام يمر على عشرات الفلاتر السياسية والاقتصادية، حتى أنك تشاهد الخبر وتتساءل عن أي بلد يتكلمون؟!

أمنيتي هذه هي سر سعادتي بالمحافل الرائعة التي أراها مثل مهرجان طنطورة في العلا وبطولة الجولف في مدينة الملك عبد الله الاقتصادية وعشرات المناسبات التي تقيمها الهيئة العامة للترفيه و الهيئة العامة للثقافة. هذا هو المكان والوقت الذي يستطيع فيه الجميع التعرف على السعودي كما هو فعلا، مضياف، محب للحياة وشغوف بالنجاح.

 

يظل أمامنا تحديان الآن:

الأول: التركيز على خلق التجربة للزائر، لأن كل خطوة ومنظر بل وحتى سلوك في المحفل يحمل رسالة. بدءا من الترحيب بالزوار بلغتهم، حتى مصدر قارورة الماء الموضوعة على الطاولة في مؤتمر يناقش صناعة المحتوى المحلي، وحتى انبهار الحضور بسهولة وسرعة الإجراءات وجودة تفويج الحضور في حفل يستعرض تطور الخدمات اللوجستية في المملكة.

الثاني: تحويل صناعة المحافل الى مصدر دخل وصانع وظائف للاقتصاد الوطني. صناعة المحافل تتميز بكونها تقاطعاً لعدة صناعات أخرى مثل صناعة الصوتيات والمرئيات، الإنتاج الفني والسينمائي، الإعلام والمحتوى الرقمي، التشييد والطباعة، تكنولوجيا التسجيل والتفويج والمتابعة. توطين صناعة محافل ناجحة يعني اثراء عدة صناعات أخرى وخلق وظائف دائمة ومؤقتة موزعة على كافة مناطقة المملكة.  في كل مناسبة عملاقة تحدث داخل المملكة أرى الحاجة تظهر أكثر وأكثر الى شركة سعودية تملك ضخامة الموارد الفنية والمالية اللازمة لإطلاق مجهودات توطين صناعة المحافل.