«زين» في إعلانها الرمضاني.. هل أخطأت؟

4212 مشاهدة
«زين» في إعلانها الرمضاني.. هل أخطأت؟

الوضع الليلي

«زين» ؛ شركة الاتصالات الكويتية، والمشغلة لخدمات الهاتف النقال في عدة دول، تعودنا منها إعلاناً متلفزاً يحفل بالإبداع مع بداية كل رمضان. تتحدى «زين» نفسها في كل عام لتتفوق على إنتاجها في العام الذي سبق. المنافسون خارج دائرة المنافسة بالنسبة لها. «زين» لا تأبه بما يقدم الآخرون، فقد رسمت لنفسها طريقاً متفرداً منذ بدايتها، ربَطَ الإبداع باسمها، جعل الناس يحبونها، ويعلقونها كمصباح بكل جميل، وهذا هو جوهر استراتيجيتها الإعلانية.

«زين» في البداية

بدأت «زين» استراتيجية إعلانية بسيطة مبدعة، ملخصها "إيصال الجمال". قد ترى لوحة إعلانية كبيرة في الشارع لمصباح جميل أو لورود فاتنة، أو إعلاناً متلفزاً كاملاً عن المحبة. «زين» تحاول سبر الجمال، كما في اسمها، في كل شيء. هذا النوع من الرسائل كان واضحاً وجلياً في بدايات «زين». هذا التوجه تغيّر نسبياً في عام 2014.

«زين» في الوقت الراهن

يبدو أن تغيراً طرأ في استراتيجية «زين» الإعلانية، وهذا طبيعي، فالتغير طبيعة الأحياء. بدأ تركيز «زين» على القضايا الحساسة في المنطقة العربية، بدايةً من عام 2015. وهذا التغير لم يبتعد كثيراً عن معاني الجمال (المنطلق الاستراتيجي الإعلاني لزين)، ولكن طرحه تم بشكل جديد.

قامت «زين» بتبني بعض القضايا العربية الحساسة، والتي لا تخلو من الجدل Controversy، والتي أيضاً لا يخلو عقل عربي منها، وتقديمها بأسلوب إعلاني مبسط، مع نكهة جمال أخاذة.

الجمال وحده في إعلانات «زين» لم يعد كافياً، فتم إضافة جرعة جدل له. الجدل مناسب دعائياً، لأنه يجعل الناس تتحدث وتنشر الحدث، وكما يقول بعض أرباب مدرسة الدعاية والإعلان: "فليس هناك دعاية سيئة".

قدمت «زين» قضية اللاجئين في 2015، بمجموعة كبيرة لامعة من فناني العالم العربي، وتم تصوير الإعلان في مخيم الزعتري للاجئين في الأردن. وكانت محاولة لشد الانتباه لمعاناة اللاجئين السوريين في المخيمات. ولم تسلم «زين»، فقد اتهمها البعض باستغلال قضية اللاجئين، وطال الجدل آنذاك حول هذا الموضوع.

إعلان سعد المجرد.. كان حالماً أكثر من اللازم

في عام 2016، قدمت زين محاولة هروب من الحروب والإرهاب والجوع والبرد والمخيمات، إلى عالم خيالي مليء بالجمال والسلام. كان بطل الإعلان الفنان المغربي سعد المجرد. الإعلان كان حالماً أكثر من اللازم، ولم يرقَ إلى المستوى المأمول إعلانياً، فلم يشد الانتباه كسابقه في 2015. وهذا ربما ما دعا زين إلى التفكير ملياً فيما ستقدمه في 2017، من خلال الالتصاق بشكل أكبر بواقعها. فقررت أن تقدم للصائمين وجبة إعلانية دسمة، وهذا ما حدث.. وما جعل الناس ووسائل الإعلام إقليمياً ودولياً تتحدث عن الإعلان.

إعلان زين 2017: القنبلة

أطلقتُ عليه "القنبلة"، لأنه صاعق ولوقعه دوي كبير، فقد خرج عن الإطار المألوف للجماليات المعتادة التي تروج لها زين. كما أن ملامسة «زين» للقضايا الحساسة بالمنطقة كانت سطحية – نوعاً ما – في 2016 و 2015. أما في إعلان 2017 فقد دخلت زين بقضّها وقَضِيضِها في الجدل، بشكل صعقَ – وربما أغضبَ – شريحة لا يستهان بها من جمهورها في المنطقة، لدرجة أن البعض طلب من «زين» الاعتذار، بل وسحب وإيقاف إعلانها. فهل كان الإعلان سيئاً؟

تحليل الإعلان

يصور الإعلان شعوب المنطقة بأنها شعوب طامحة إلى العيش في نور وسلام ووئام، وتقف وجهاً لوجه ضد قوى الظلام في المنطقة المتمثلة في مختلف الجماعات الإرهابية. كما أن هذه الشعوب تُصر وتصرّح وتكافح لتبيان أن الإسلام دين سلام ومحبة، وليس دين قتل وتفجير كما تحاول قوى الظلام تصويره عبر أفعالها المشينة. وفي نهاية الإعلان يعم السلام، حتى الإرهابي الذي كان سيفجر نفسه.. رجع وتاب، واندمج مع الناس بسلام.

الفكرة نبيلة.. إذاً لماذا أغضب الناس – أو بعضاً منهم - عليها؟

في الحقيقة، النوايا الطيبة.. وحدها لا تكفي.

التنفيذ، خلافاً للفكرة، حفِل بالهفوات.

التفجير

وردت كلمة "لنفجر" في الإعلان 16 مرة. وهذه ربما أكبر سقطة في الإعلان. كلمة "لنفجر" مع تكرار الفنان حسين الجسمي لها مع الكُورَال (جوقة المغنين) جعل للكلمة صدى في العقل من الصعب التخلص منه. تخيلوا تكرار هذه الكلمة في عقول الصغار!

وقد أجد لـ«زين» شيئاً من العذر، فقد حاولت قلب المعنى بشكل إيجابي، فكما يحاول المدرب تفجير قدرات الفريق، وكما يحاول المنقّبون تفجير النفط من الصخر، حاولت زين التفجير الإيجابي (معنوياً)، وربما خانها التكرار الذي جعل للكلمة صدى مبالغ فيه. وقد روي بأن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وآله كان يقول: "لو كان الفقر رجلاً لقتلته". فربما أرادت «زين» تفجير العنف رفقاً والضلال حقاً، كما أراد علي كرم الله وجهه قتل الفقر.

الخلط بين إرهابين: الإرهاب الداعشي والإرهاب الأسدي

 ربما كان هذا الأمر هو أكثر الأمور استفزازاً لمحبي «زين» ومتابعي إعلانها، فإعلان «زين» يطرح الإرهاب الذي تصنعه الجماعات المتطرفة وعلى رأسها داعش، لذا تم استخدام الرجل المفخخ ليفجر نفسه، في إشارة واضحة للأسلوب الشهير الذي تتبعه هذه الجماعات في القتل والتدمير. 
لكن يبدو أن الإعلان ضل طريق الجماعات الإرهابية، وأدخل - دون قصد على الأغلب - مشاهد مرتبطة بإرهاب النظام السوري، فسبب لبساً حيث نسب إرهاب الأسد لغيره وكأنه يبرئ ساحة النظام؛ فمشهد الطفل عمران دقنيش صاحب الصورة الشهيرة داخل سيارة الإسعاف، هو مشهد يعبر عن ظلم وإرهاب النظام السوري المدعوم بالتحالف الروسي. وكذلك العبارة المؤثرة التي وردت في مقدمة الإعلان (سأخبر الله بكل شيء) هي عبارة لطفل من ضحايا النظام الأسدي الذي يرمي البراميل المتفجرة على شعب أعزل، فيقتل الأبرياء.

زين.. أخطأت وأحسنت

بجانب الخطأين المذكورين أعلاه، هناك أخطاء جانبية أخرى، منها الأخطاء اللغوية المكتوبة والمنطوقة، والتي لا تؤثر على المستوى العام للإعلان. لكن كان من الممكن تلافيها، خصوصاً لشركة بحجم «زين». لكن تبقى كمية الجمال في الإعلان كبيرة لمن أراد التأمل والاستمتاع. أعتقد أن هذه الأخطاء نتيجة التسرع في التنفيذ، وهذا أمر طبيعي في عالم المشاريع الإعلانية المعقدة، ويمكن تلافيه مستقبلاً.

يحسب لـ«زين» اعتمادها في صياغة الأفكار والإخراج على عناصر عربية مبدعة، في وقت يقفز مدراء التسويق في شركات مماثلة الحجم في عالمنا العربي إلى عقول غربية للتفكير والتنفيذ.

المشاهدات على صفحة «زين» في يوتيوب شارفت على الخمسة ملايين مشاهدة، وهذا نجاح كبير جداً، مع حوالي 70 ألف تفضيل (لايك)، وسبعة آلاف عدم رضا (ديسلايك). وهذا يعني رضا 90% ممن شاهدوا الإعلان حتى اليوم (8 رمضان عند نهاية كتابة هذا المقال).

شكراً «زين».. ليس على هذا الإعلان. بل على الجرأة ودخول مناطق الاشتباكات بكل ثقة، مع عدم نسيان الجمال في كل مشهد من مشاهد الحياة.