التدخين مُضرُّ بـ"وزارة" الصحة!

1416 مشاهدة
التدخين مُضرُّ بـ"وزارة" الصحة!

الوضع الليلي

لي موقف متحفظ من كثير من حملات التوعية الرسمية، لأن معظمها عبارة عن حشو إنشائي ممل، ولا يقود في الغالب لأي نتائج مؤثرة، لذا أرى في أغلبها - بشكلها التقليدي الرتيب - مضيعة للمال وشٙغلاً عبثياً للمساحات والأوقات الإعلانية. المستفيد الأكبر منها جيوب وكالات الإعلان والوسائل الإعلامية الناقلة. أما المتلقي، ففي الغالب يعرف الرسالة سلفاً، بل ويعيها تماماً.

يعي المتلقي فوائد الشجر والغطاء الأخضر للإنسان وللبيئة، ويعي أهمية النظافة وعدم رمي النفايات في الشارع، ويعي أن الماء ثروة عظيمة القيمة في بلاد صحراوية، ويعي أن إشعال مصابيح الإنارة مع عدم الحاجة لها فيه تبذير للموارد وهدر للطاقة.

ويعي المتلقي أيضاً ضرر أموراً كثيرة قد يتعاطاها، مثل التدخين! فما الحاجة إذاً لبث حملة مليونية للتذكير وتكرار التذكير بأن التبغ يسبب العديد من الأمراض الخطرة..؟ هل يتم الاكتفاء بمجرد التوعية والانتظار إلى أن تسجل أعداد ضحاياه أرقاماً قياسية!

وهنا أحيي وزارة الصحة، وعلى رأسها معالي الوزير، عندما حوّل في رمضان حملته الإعلانية المضادة للتدخين بأسلوب إعلاني غير مألوف إلى خطاب يلغي فيه​ حملات مكافحة التدخين وتوجيه أموالها لعلاج المرضى من ضحايا آفة التدخين. وكأنه يقول: طفح الكيل، فلا حملة نفعت، ولا وعياً زاد!

إن الهدف العام من أي حملة توعوية عامة يتلخص في التأثير على الفرد لتغيير أفكاره ومفاهيمه، ومن ثم تغيير سلوكياته لتتخذ شكلاً إيجابياً. فإذا لم يتغير السلوك، فإن الاستمرار في ذات المسار التوعوي يعد إضاعة للوقت والمال، وربما أشياء أثمن من ذلك.

وفي الواقع، لم يعد هناك حاجة فعلية الآن للتوعية بشأن كثير من المواضيع العامة، بسبب ارتفاع نسبة التعليم وارتفاع المستوى الثقافي للفرد وسهولة الوصول إلى المعلومة. والأجدى من حملات التوعية هو سن إجراءات وتشريعات وقائية تساعد على الحد من تداعي كوارث أو مضار الموضوع الذي يتم التوعية بشأنه.

وأضرب مثلاً بالتدخين، فحملات مكافحة التدخين مستمرة منذ عقود، والنتيجة ماذا؟ تزايد أعداد المدخنين عاماً بعد عام، وتزايد استيراد وبيع منتجات التبغ، وتزاحم المرضى في المستشفيات، وارتفاع حالات الأمراض الخبيثة بسببه. هذا ومجهودات التوعية لم تتوقف، ومن ضمنها وضع ملصقات دعائية كريهة لصور قلوب ورئات المدخنين المهترئة والمشوهة بفعل التدخين على علب السجائر.. لعلها تردع المدخن، لكنها لم تجدِ نفعاً.

إذاً فالموضوع تجاوز التوعية ووصل إلى الوضع الكارثي، ولا بد من نهج مسارات تشريعية موازية تدعم خفض التدخين وتقلل من مضاره. لكن مثل ماذا؟

لقد طبقت العديد من الدول إجراءات صارمة للحد من التدخين مثل منع التدخين في الدوائر الحكومية، ومنع التدخين في الأماكن العامة كالأسواق والمتنزهات والمطاعم، بل أن هناك بلداناً لا يسمح فيها بالتدخين إلا على أرض تعد ضمن أملاك المدخن.

كما قننت كثير من الدول بيع منتجات التبغ، فلا تباع إلا في أماكن محصورة، ولا تباع إلا لمن تجاوزوا السن القانونية وبلغوا الرشد والأهلية، بل وشُرّعت عقوبات بحق من يبيع التبغ للأطفال والمراهقين.

وفرضت كثير من الدول ضرائب مرتفعة على التبغ لتحفيز مستهلكيه على تركه أو التخفيف منه على الأقل، ولاستغلال مال الضرائب لعلاج ضحايا التدخين. وهناك دول يباع التبغ فيها بأضعاف تكلفته، وذلك لتنفير الناس من شرائه.

كما ألزمت دول كثيرة مصنعي ومستوردي التبغ بعدم استخدام أغلفة جذابة لعلب التبغ، لأن التغليف الجذاب عامل تسويقي مهم في زيادة جذب انتباه ورفع مبيع ماركات التبغ.

كما قامت أغلب الدول بمنع أو حصر أغلب أشكال الترويج والدعاية والإعلان لمنتجات التبغ في مختلف وسائل الإعلام وفي شتى الفعاليات والمناسبات، خصوصاً في المجال الرياضي، لمنع استهداف الفئات الشابة.

وإلى جانب الإجراءات التشريعية، قامت كثير من الدول بفتح عيادات تخصصية للراغبين في الإقلاع عن التدخين، ووفرتها مجاناً لمواطنيها.

وأجدني أفتخر بأن معظم ما ذكرته في الأعلى من تشريعات تخص محاصرة التدخين مطبق فعلاً في وطني.

وختاماً أقول بأن التوعية لوحدها لا تكفي. والشكل الأمثل لأي برنامج توعوي هو أن يتخذ خطاً تنويرياً متدرجاً (قد يكون التدرج على مدى سنوات) إلى أن يصل في النهاية إلى إصدار تنظيم (أو ربما عدة تنظيمات) من التشريعات التي تلزم الناس بالسلوك السليم، حفاظاً على أرواحهم وأموالهم وجل ضرورياتهم. فالإلزام وضبط المخالِف بتكلفة أمر ثبتت فاعليته، أكثر من فاعلية الحملات.