الثقافة الإجتماعية وأثرها على سلوك المستهلك

203 مشاهدة
الثقافة الإجتماعية وأثرها على سلوك المستهلك

الوضع الليلي

تمثل الثقافة المحلية عاملاً مهماً من عوامل نجاح أو فشل المنتجات. الثقافة المقصودة هنا هي ماتتعلق بحياة المجتمعات كنمط معيشتهم، عاداتهم وتقاليدهم، تاريخهم ومعتقداتهم وغيرها من مكونات الثقافة الاجتماعية. وحيث أن الثقافة حسب هذا التعريف هي المكون الأساسي لسلوك الفرد، فإن سلوكه كمستهلك نابع أيضاً منها. قديماً، كانت الأسواق تخضع غالباً للاعبين رئيسيين ولمنتجات محددة تنتج أو تستورد لتفي باحتياجات محددة. لكن مع انفتاح الأسواق على بعضها بشكل أكبر أصبح لزاماً على المنتجين والمسوقين التعرف على الثقافة الاجتماعية للمستهلكين. إضافة لذلك، فإن تطور قطاع الخدمات وباعتبار منتجاته غير محسوسة ولايمكن تخزينها أو إعادتها، وباعتبار الخدمة قائمة بشكل رئيسي على (بيع التجربة) فإن هذا يجعل التعرف على الثقافة الاجتماعية للمستهلك ومراعات تفاصيلها أمراً بالغ الأهمية. في هذه المقالة سأستعرض مجموعة من الحالات التي كانت الثقافة الاجتماعية فيها أساس نجاح أو فشل المنتجات والشركات.

قبل بضعة سنوات استرعت اهتمامي تجربة نقلها شاب يمني خلال زيارته للصومال. تتلخص التجربة في وجود نظام دفع فريد؛ حيث يقوم المتسوقون بتحويل مبلغ الدفع للبائع في ثوان دون الحاجة لحمل مبالغ مالية أو بطاقة بنكية. كل شخص لديه حساب بنكي في الصومال يكون حسابه مرتبط برقم جواله ولديه رقم سري لاستخدام خدمة الدفع وإذا أراد الدفع لشخص ما، كل ماعليه هو الاتصال برقم معين وإدخال مبلغ الدفع ثم إدخال رقم البائع لتتم العملية مباشرة. ونلاحظ أن تطوير هذه الخدمة جاء قبل عدة سنوات من ظهور خدمات الدفع الحديثة كتلك المقدمة من آبل أو جوجل. هذه الخدمة التي تنتشر في الصومال وكينيا وبعض دول القرن الإفريقي هي نتيجة لمشكلتين أساسيتين تعاني منها هذه المجتمعات، الأولى انخفاض مستوى الأمان؛ فحامل المال قد يتعرض للضرر، والثانية هي ضعف العملة، فلشراء منتج بقيمة 5 دولار قد تحتاج لحمل مئات الأوراق النقدية من العملة المحلية. إضافة لذلك، فإن البنية التحتية للإنترنت في هذه الدول كانت لاتزال ضعيفة عموماً وهو الأمر الذي يجعل حلول الدفع المتوفرة لدينا غير قابلة للتطبيق فيها، ومن هنا نلاحظ أن تطوير هذه الخدمة جاء ليحل مشكلة فعلية ناتجة عن طبيعة حياة المجتمع المحلي في هذه الدول.

في السعودية، نلاحظ أن الخدمات البنكية المتوفرة لدينا تتفوق على كثير من الدول الغربية، مثلاً كانت البنوك السعودية أسبق من كثير من الدول في استخدام تطبيقات الجوال للخدمات البنكية. أيضاً خدمة رسائل SMS للتنبيه بالعمليات غير متوفرة عند كثير من دول العالم بينما مطبقة لدينا منذ وقت طويل جداً. لكن لماذا لدينا نحن خدمة الرسائل البنكية في حين لاتستخدمها البنوك البريطانية مثلاً؟ بخلاف المجتمع البريطاني، في السعودية نحن لانمانع من إعطاء إخوتنا أو أبنائنا بطاقات الصراف لسحب المال نيابة عنّا، فمبدأ الثقة لدينا يطغى على كثير من تعاملاتنا. أيضاً، في فترات سابقة كان يصعب على النساء الذهاب للصرافات للسحب أو السداد أو التحويل، فتلجأ المرأة غالباً لأخيها أو زوجها أو إبنها وفي بعض الحالات قد تلجأ لجارها، وربما يقوم أحد هؤلاء الأشخاص بسحب أموال دون علم صاحبة الحساب، لذلك استشعرت البنوك أن مستفيديها يحتاجون لخدمة مثل خدمة الرسائل البنكية. أيضاً، على حد علمي لاتوجد صرافات للسيارات في بريطانيا في حين أن كثير من الصرافات في المملكة هي صرافات سيارات، وهذا عائد لحرارة أجوائنا مقارنة ببريطانيا واختلاف تخطيط مدننا وربما هناك أسباب أخرى متعلقة بسايكلوجية المستهلك السعودي. أتذكر أني ذات مرة عاتبت صاحب بقالة على توفيره عاملاً لخدمة السيارات؛ قلت له: شجع الناس على الحركة والتسوق بأنفسهم بدلاً من خدمتهم وهم في سياراتهم، أجابني أن هذه رغبة العملاء وأنه إذا لم يوفرها سيذهبون إلى غيره.

عندما افتتحت شركة ديزني منتجعها في باريس، دخلت إليها بعقلية السوق الأمريكي، ففشلت فشلاً ذريعاً. هناك أسباب عديدة لفشل هذه التجربة في بدايتها إلا أن أهم ثلاثة أسباب هي؛ الأول: شعور الزوار والمجتمع المحلي أن الشركة لم تفهم ثقافتهم المحلية، فهم يشتكون من أن تصميم المنتجع وأسماء الألعاب والفنادق والمطاعم كان أمريكياً بشكل زائد، فالشركة لم تراعي البلد والمجتمع المستضيف بشكل كاف. الثاني: اعتماد الشركة تنويع جنسيات ولغات العاملين في منتجعها في فرنسا كما تفعل في منتجعاتها في أمريكا، وهذا لم يعجب الفرنسيين. الثالث: تطبيق سياسات العمل المتبعة في أمريكا أدى لاستقالة أكثر من 1000 موظف بعد أقل من 9 أسابيع من افتتاح المنتجع. حتى أن قضايا قد يعتبرها البعض تافهة كان لها دورها في فشل المنتجع، كعدم توفير النبيذ الذي يعتبره الفرنسيين جزءاً لايتجزأ من ثقافتهم، واختيار اسم المنتجع الذي لم يعجب الفرنسيين. في البداية لم يكن إسم المنتجع على ماهو عليه الآن بل كان (يورو ديزني). يقول آيزنر وشوارتز "بالنسبة للأمريكيين كلمة يورو جذابة ومثيرة، لكن بالنسبة للأوروبيين هي كلمة مرتبطة بالمال والتجارة والعملة..." لذلك عندما عملت الشركة مراجعة شاملة لمشروعها وتحديد أسباب الفشل وحلّها، كان من ضمن الحلول إعادة تسمية المنتجع إلى (ديزني لاند باريس) لربط اسمه بواحدة من أكثر مدن العالم رومانسية وجاذبية. نلاحظ أن جميع الأسباب الواردة في حالة ديزني لاند باريس هي أسباب ثقافية، ومن الجيد أن ديزني لاند باريس استطاعت تصحيح وضعها والوقوف على قدميها من جديد.

لكن هذا الأمر لم يتحقق لشركة تيسكو البريطانية (واحدة من أكبر متاجر التجزئة للمواد الغذائية في العالم) التي قررت التوسع في مجموعة من الأسواق أهمها الصين والولايات المتحدة لكنها فشلت بقوة وانسحبت بعد سنوات قليلة من بداية عملها. وبرغم أن هناك حديثاً عن تضييقات حكومية على الشركة في الصين إلا أن المحللين يذكرون أن عدم مراعاتها لثقافة المستهلك الصيني كان سبباً رئيسياً في فشلها. بالنسبة لتجربة الشركة في أمريكا فهي واحدة من أكبر تجارب الفشل في التوسع حيث أنها دخلت السوق الأمريكي باسم فريش آند إيزي Fresh & Easy وتوسعت بقوة ابتداءً من عام 2007 حتى بلغ مجموع متاجرها في جنوب غرب أمريكا أكثر من 180 متجراً. ثم بعد 5 سنوات، قررت الشركة بيع جميع متاجرها ومغادرة السوق الأمريكي بخسارة تتجاوز 1.5 مليار دولار أمريكي. أهم أسباب فشل هذه التجربة هي أنها تعاملت مع المستهلك الأمريكي كما تتعامل مع المستهلك البريطاني، إضافة إلى أنها لم تقم بإعادة تقييم سلوك المستهلك بعد الأزمة العالمية واستمرت على نفس استراتيجياتها.

 

 

قبل أن أختم، لفت نظري قبل فترة إعلان لشركة المسافر، والحقيقة أن إعلانات هذه الشركة لافتة وممتعة، إلا أن هذا الإعلان بالذات الذي يظهر عائلة بأبٍ وأم وأطفال أمام مسبح كان ملفتاً جداً. في حين أن الأب كان يجلس منقعراً على الكرسي ويستمتع بعصيره في الأجواء الدافئة ويضع رجل على رجل، يقف الأطفال بلباس السباحة خلف أبيهم مستمتعين وتقف معهم أمهم بعبائتها ونقابها. بطبيعة الحال، الإعلان ليس فيه إساءة المجتمع السعودي ولا بأس فيه، إلا أني أعتقد أنه كان يجب على الشركة عدم نشر إعلان مثل هذا في ذلك الوقت. سلوك المستهلك السعودي تغير كثيراً مع ظهور مواقع التواصل الاجتماعي، ونتيجةً لذلك، وكما توقعت يوم ظهور الإعلان، شنت مجموعة من النساء هجوماً كبيراً عليه باعتباره مسيئاً للمرأة ويرسخ الذكورية في المجتمع.

أخيراً، سلوك المستهلك ليس ثابت، بل يتغير باستمرار بالتغيرات التي تطرأ على الثقافة الاجتماعية، وعلى أي شركة قبل تطوير أو استيراد منتج أو خدمة أن تنظر للتفاصيل الدقيقة التي من الممكن أن تؤثر على نجاحها أو فشلها.