الجانب المظلم في عالم التسويق

538 مشاهدة
الجانب المظلم في عالم التسويق

الوضع الليلي

 

دائما ما أكتب لكم عن الجانب المبدع في العالم الذي أعيشه، عالم التسويق والاتصال والحملات الإعلانية والإعلامية، لكن أتى الوقت الذي يجب أن أحدثكم فيه أيضاً عن الجانب المظلم من عالمي.

 

أتذكر هذا الجانب كلما رأيت يد زوجتي، وهي تتشح بتلك الساعة المرصعة بالألماس التي أهديتها لها في عيد زواجنا. لا تفهموني خطأ، أموال الهدية كانت حلالاً صافياً بإذن الله، والألماس هو ألماس أصلي موثق بشهادة القص.  لكن الظلام هو في الألماس ذاته، أحد أندر و أثمن المعادن في الوجود، و التعبير الصادق لزوجتي عن مدى حبي الأزلي لها ، و الذي كان أكثر هدية أسعدت زوجتي.

 

الفضل في سعادة زوجتي يعود الى الاجتماع الذي حصل في نيويورك عام ١٩٣٨م بين هاري ابنهايمر، و هو مالك شركة دي بير للمناجم، و جيرولد لاك، و هو رئيس شركة أير و ابناءه للدعاية و الإعلان.

 

في هذا الاجتماع اتفق الاثنان على حل لمشكلة تردي أرباح شركة دي بير، و التي كان سببها أن الناس بدأت بالعزوف عن شراء الألماس الذي تستخرجه الشركة رغم رخص سعره و توفره!! 

 

نعم يا سادة، لم يكن يتجاوز سعر حجر الألماس وقتها الثمانين دولار، ومتوفر في كل مكان، ولا يحبه الناس كثيراً لأنه صعب القص والتشكيل وشفاف بلا لون.

 

تفتق ذهن المجتمعين عن فكرة شيطانيه، ستقوم شركة دي بير بتجفيف السوق من الألماس عبر شراء والتحكم بـ ٩٠٪ من مناجم الألماس حول العالم، أما شركة "اير وابناءه" فستطلق حملة تسويق وعلاقات عامة، تقول فيها إن الألماس هو أندر المعادن في الوجود، وأنه رمز الحب الأبدي، وأنه أكثر الهدايا رومانسية، وأن "الماس، يظل الى الأبد"، و أن خاتم زواج تنقصه ألماسة براقة هو خاتم زواج متواضع و ليس "قد المقام".

 

نتيجة هذه الحملة هي أنك تعيش اليوم في عالم موهوم بأن هذا الحجر الشفاف هو أندر المعادن وأثمنها وأكثرها جاذبية.

 

إذا ظننت أن هذا أسوأ ما يقدمه علم التسويق فدعني أخبرك عن حملة مكافحة التدخين بين المراهقين والتي مولتها وأطلقتها شركة فيليب موريس في عام ١٩٩٨ م كجزء من مسؤوليتها الاجتماعية. كان شعار الحملة "فكر، لا تدخن" ورصدت لها الشركة ميزانية هائلة بلغت مائة مليون دولار للسنة الأولى فقط. يظهر في إعلان الحملة مراهق يحاول فتح علبة السجائر لإثارة اعجاب فتاة، فتزدريه الفتاة بعينيها وهي تشاهده يشبه القرد في هذه الحركة وتبتعد عنه، ومن ثم تظهر الرسالة "فكر، لا تدخن". رسالة واضحة وميزانية قوية وإخراج مبتكر يهدف الى حث المراهقين على الابتعاد عن التدخين. 

 

يجب أن أذكر هنا أن شركة فيليب موريس هي الشركة المنتجة لسجائر مالبورو، وال اند ام، وميرت ومنتجات تبغ أخرى تبيعها الشركة في أكثر من مائة وثمانين دولة حول العالم منذ ما يقارب التسعين عام !! 

 

كانت نتيجة حملة مكافحة التدخين أن المراهق الذي شاهدها كان أكثر تقبلاً لفكرة أن يدخن، كيف؟! طريقة صياغة الرسالة. 

 

بالمناسبة، شعار "الماس يظل الى الأبد" يهدف الى تشجيعك على الاحتفاظ بالألماس الذي تشتريه، لأنك إن حاولت إعادة بيعه فستعرف سعره الحقيقي المنخفض جداً وستنبه الآخرين.

 

ختاماً، تذكر وأنت تشاهد الأخبار والإعلانات والبرامج الحوارية أن كل كلمة أو صورة هي رسالة، وأن الهدف من تسويق هذه الرسالة لك يصب غالباً في مصلحة المرسل، وليست في مصلحتك أنت أو عائلتك أو وطنك.