العميل يأتي أولًا... ليبقى أولًا

1139 مشاهدة
العميل يأتي أولًا... ليبقى أولًا

الوضع الليلي

كثير من المنشآت تُهمل علاقتها بالعملاء وتنعزل بالانغماس في إدارة عملياتها اليومية من إنتاج وبيع وتوزيع وتتركز العلاقة بالعملاء على استقطاب المزيد منهم، بل تقتصر أحيانًا على الترويج للمنتج أو الخدمة. تهمل تلك المنشآت أمرًا هامًا بعد كل هذا الجهد، وهو الإبقاء على العميل، والإبقاء عليه راضيًا. وأتوجه هنا برسالة لكل رب عمل أوكل إليه قيادة منشأة تسعى لتحقيق الأرباح. كما يمكن توجيه ذات الرسالة بتصرف لأي مسؤول في جهة غير ربحية تسعى إلى تحقيق مستوى عال من رضا العملاء وبناء السمعة؛ حجم إنتاجك، وعدد البلدان التي تصل إليها رحلاتك، ومدى تطور الآلات في مصانعك، ومساحات مزارعك ومستودعاتك، ومدى التغطية التي تصل إليها شبكات نظامك، كل هذه المعلومات التي تصف عملياتك تهوي إلى القاع عند أول تجربة فاشلة مع العميل، كأن يتصل العميل بأرقام الخدمة ولا يجد رداً، أو يقدم اعتراض ويُقفل بلا اهتمام، أو عمومًا، عندما لا يشعر بأنه حصل على قيمة مقابل ما دفعه من مال (Value for Money).

ما الداعي من ترديد ورفع شعارات التميّز في الخدمة مثل: “العميل أولًا” وَ “رضاكم غايتنا” وَ “الزبون دائمًا على حق” وغيرها من العبارات إذا لم يتبعها ما يثبت ذلك. وأكثر ما يبرهن للعميل صدق رسائلك هو خط التماس الأول، فالابتسامة وحُسن تصرف موظفيك يترجم صدق شعارك للعميل. حتى لو كان هناك قصور ما، فحتمًا أن حسن المعاملة ستُصلح الخلل بل قد تصل إلى أبعد من ذلك وتوطد العلاقة وتضمن استدامتها وكسب ولاء العميل. إن لم يكن الموظف الذي يتواصل مباشرة مع العميل على ذات النسق من الاحترام وحُسن التعامل الذي تحمله رسائلك الودودة للعميل، فأعمالك تواجه معضلة خطيرة تهدد استمرارية ما تقوم به بشكل مباشر. وردت إحصائية في كتاب (كيف تكسب عملائك وتحتفظ بهم مدى الحياة) أن عدم مبالاة الموظفين بالعملاء تتسبب في خسارة %68 من العملاء .

التجربة هي التي تبقى في ذاكرة العميل ويَظل يُداولها بين الآخرين. الكلمة الدارجة (Word of Mouth) هي ما يُنقل عنك وعن أعمالك بشكل غير رسمي، وتلعب دورًا كبيرًا في رسم الصورة الذهنية عند الناس وبناء السمعة. تشير إحصائية تُنسب لمكتب شؤون العملاء التابع للبيت الأبيض (White House Office of Consumer Affairs) أن العميل العادي سَيَنقل تجربته الناجحة مع أعمالك إلى 4 أو 6 أشخاص. فإن كانت الخدمة متميزة ستُعرف بذلك حتمًا وسيُفضلك عملائك على منافسيك. لكن العميل الممتعض من خدمتك أو منتجك سينقل تجربته السيّئة إلى 9-15شخص وتصل في إحصاءات أخرى إلى أكثر من 20شخص. وسيبدأ العديد من الناس بتداول هذه التجارب السيّئة فتتكون الحكايات التي تصف سوء أدائك وتتكوّن السمعة الرديئة. ولعلي أشير إلى أمر في غاية الخطورة هنا، وهو أن معظم هؤلاء العملاء لن يتقدموا بالشكوى ولن يُبدوا امتعاضهم لك. تُشير دراسة قامت بها (Lee Resource International) أن عميل واحد من 26 عميل غير راض سيُقدم شكوى أو يصرّح بامتعاضه والبقية سيخرجون بهدوء، وربما بلا عودة وسرعان ما يبدأ سرد القصص المُحبِطة حول بضاعتك أو خدماتك في محيطهم، وتبقى أنت تعتقد أن عدم وجود شكوى أو أن قِلة الشكاوى، يعني أن الأمور تجري كما يرام، والخافي أعظم.

لن أقف عند ترديد شعارات الخدمة ومصداقيتها فقط، بل سأذهب إلى ما هو أبعد من ذلك وأتساءل ما الداعي من استقطاب عملاء جدد إذا كنت غير قادر على تلبية احتياجاتهم والاحتفاظ بهم. وإلى أي مدى ستستمر هذه العملية المُجهدة من الحملات الإعلانية الضخمة واستئجار المشاهير وإغراق الشبكات الاجتماعية بالإعلانات لجلب عملاء جدد وأنت لا تستطيع أن تكسب ثقتهم للتعامل معك مجددًا. حسب دراسة لـ (Bain & Company) فإن استقطاب العملاء الجدد يُكلّف 6-7 أضعاف كُلفة الإبقاء على العميل الحالي. كما تشير ذات الدراسة إلى أن زيادة نسبة الإبقاء على العملاء الحاليين 5% قد يزيد من الأرباح بنسبة 25-95% كل الدلائل تؤكد أن عملائك الحاليين هم رافد أساس لمنشأتك. عملائك الحاليون هم أكثر ثقة بك من غيرهم فنسبة احتمال شراء عميلك الحالي منك تصل إلى 70% بينما تصل النسبة إلى 20% عند عميل جديد، حسب كتاب (Marketing Matrix) إذًا فعملية صرف المبالغ الضخمة على حملات الدعاية والإعلان على حساب إهمال عملائك الحاليين هي بلا شك هدر وتخبّط.

تحقق من مدى حاجة أعمالك للدعاية والإعلان والتوقيت المناسب لذلك. وتعرّف على عملائك جيدًا ولا تفرّط فيهم. إن كان حجم أعمالك يتطلب عددًا أكبر من العملاء وحجم المبيعات الحالي لا يغطّي التكاليف أو لا يولد أرباحًا تتناسب مع حجم الأعمال، فربما أنك في حاجة لحملة إعلانية، ولكن قبل ذلك، تأكد ما إن كان عملائك يعودون للتعامل معك مجددًا أم لا، فلربما أنك بصدد مشكلة أخرى لا تحلها حملة إعلانية. استعن بمستشار تسويقي تثق به لتحديد المشكلة، ولا تلجأ إلى من يسعى لطباعة الملصقات الإعلانية، وتصوير الدعايات، والترويج الإلكتروني لأنه حتمًا لن يحقق مكاسب من دونها، وبالتالي لن يأتيك بنصائح لا تخدم مجاله