انقراض الوحش الأصفر

711 مشاهدة
انقراض الوحش الأصفر

الوضع الليلي

 

يجدر بي بدءاً أن أشير إلى أني لا أقصد حرفياً بـ"الوحش الأصفر" سيارة التاكسي التقليدية التي كانت - ولا تزال - تجوب الشوارع في دول شتى. ولكني استخدمها هنا استخداماً رمزياً للإشارة إلى حالة أو ثقافة عملية شائعة يكون التسويق الحقيقي فيها غائباً – في قطاع الخدمات على وجه التحديد (قطاع الخدمات يضم صناعات مثل: النقل، التأمين، الصرافة، الضيافة، السياحة، التعليم، العلاج، التجميل، العناية الشخصية... وغير ذلك الكثير).

أرى أن "الوحش الأصفر" هو مجموعة أعراض تعتري ثقافة مقدمي الخدمات فيصيبها السقم وتنعدم فيها الكفاءة والفاعلية. الوحش الأصفر هو مرض تنظيمي لمنشأة وبيئة مترهلة يسود فيها الإهمال، وتتجاهل أسس التسويق الهادف إلى تقديم خدمات ذات قيمة حقيقية، ويتوقف فيها التطوير والابتكار ومواكبة تطلعات العملاء

وما استعراض سيارات الأجرة التقليدية (التاكسي) هنا إلا لضرب مثال على صناعة في قطاع الخدمات ساد فيها "الوحش الأصفر" زمناً، حتى شارفت تقريباً على الخلاص منه مع ثورة تطبيقات سيارات النقل التشاركي (أوبر، ليفت، كريم، وغيرها).

 

خالد السالم ماركيتيرز

 

يقوم التسويق الحديث للخدمات على عدد من المقومات الأساسية، من أهمها: الابتكار، الترويج الجيد، السعر الجيد، بيئة الخدمة الجيدة، طاقم الخدمة الجيد، التشغيل السلس. هذه المقومات أُهملت بشكل كبير طيلة حقبة "الوحش الأصفر" - إن جاز التعبير

لكن التطور التقني جاء وأعاد الاعتبار لمفاهيم التسويق الصحيحة (المهملة سابقاً). غيرت التقنية كل شيء، حتى البيئة التنظيمية التي كانت تساعد على بقاء الوحش الأصفر، انصاعت للتطور وتغيرت بفعل التقنية وبفعل رغبات العملاء الطامحين لمستويات خدمة أفضل.

لم نعد في حاجة لرؤية التاكسي الأصفر يجوب الشوارع ليل نهار بحثاً عن الركاب، في هدر للموارد وإزحام للشوارع. الابتكار التقني جعله يتحرك مباشرة نحو العميل. ولم يعد العميل في حاجة للانتظار على ناصية الشارع طويلاً لتاكسي أصفر قد يمر وقد لا يمر. التقنية جعلت السيارة تأتي في الموعد والموقع المناسبين. ولم يعد "التوهان" أو تضييع الوجهة شيئاً معتاداً، فالأمر أصبح من الماضي مع برامج الملاحة، حتى أن السائق مُساءل عندما يترك مساره المرسوم، ما يعزز المحاسبة والمسؤولية، والأمان كذلك.

كان الراكب يتأذى من مستوى نظافة وملاءمة السيارة ورائحتها. الآن، ومع التقنية التي حسنت بيئة الخدمة كثيراً، يتم اختيار الأنظف فقط مع إيقاف أي سائق حتى يحسن من وضع نظافة سيارته ورائحتها، خصوصاً عندما يشتكي العميل. بل إن سائقين كثر أصبحوا يتسابقون لتقديم خدمات إضافية لإسعاد العميل الراكب، كالماء البارد وشواحن الجوالات وغيرها.

وكانت الأسعار في السابق حسب مزاج سائق التاكسي، وربما حسب مزاج عداده المعطوب، وكان الخلاف دوماً يثور حول المبلغ المستحق للرحلة. كما كان هناك عدة مشاكل متعلقة بالدفع. الآن.. يمكن للراكب أن يعرف المبلغ مسبقاً من خلال التطبيق، بل ويمكنه الدفع بأكثر من وسيلة.

وكان سائق التاكسي لا يولي أي اهتمام بجودة الخدمة. وكان لبعض السائقين سلوكيات غير قويمة، وقد يعملون لسنوات دون أن ينفضح أمرهم. أما الآن فلا يمكنهم ذلك؛ فمن كان تعامله أو سلوكه سيء فيمكن للركاب التبليغ عنه ليستبعَد ويحاسَب.. بفعل التقنية. ففي نهاية كل خدمة هناك تقييم، وهذا التقييم يحكم استمرار السائق في الخدمة.

وبعد.. ففي كل منشأة خدمية، صغيرة كانت أم كبيرة، هناك وحش أصفر صغير رابض، يكبر يوماً بعد يوم عندما تنسى أن تتطور وتواكب التغيرات والتطلعات، وقد يقضي عليها في النهاية إذا تجاهلته.. فتنقرض. ومن لا يتغير.. يموت.