تجربة العميل في ستاربكس

4205 مشاهدة
تجربة العميل في ستاربكس

الوضع الليلي

النجاح الذي حققته سلسلة مقاهي ستاربكس والانتشار الواسع لفروعه حول العالم يدعو إلى التأمل، ما الذي جعل من القهوة، ذلك المشروب الذي يستهلكه الإنسان منذ مئات السنين أن يباع لدى ستاربكس بعشر أضعاف تكلفته الفعلية، ما الذي يدعو مرتادي هذا المقهى إلى زيارته مرار وتكراراً، هل حقا شريك الماء لا يخسر كما يقول البعض؟ نعم العبارة صحيحة إلى حدا ما ولكن لماذا لم تحقق كل المقاهي النجاح الذي حققته مقاهي ستاربكس؟ قد يتهاون بعض القراء قائلا إنها مجرد قهوة، ولكن أعدك أن رأيك سيتغير بمجرد إنهاءك لهذا المقال

تبقى صورة غلاف المقال وكذلك العديد من مشاهد الفلم الرائع
 I am Sam
الذي تم عرضه عام 2001 مخلدة في ذاكرتي، الفلم الذي سوّق لهذه العلامة التجارية بشكل غير مباشر وهذا ما يسمى في علم التسويق بالـ 
Product placement AKA  embedded marketing 
وهي فكرة التسويق من خلال القنوات التي لا تعتبر على أنها قنوات إعلانية، العلامات التجارية لا تظهر بالأفلام عن طريق الصدفة ففي معظم الأحيان يكون ذلك على أساس اتفاقيات مسبقة بين أصحاب العلامة التجارية وبين منتجي الفلم، ورغم أن التصاميم المستخدمة في منتجات ستاربكس قد تكون الأجمل بين جميع منافسيها إلا أن تسويق العلامة التجارية لا يمكن أن يكون السبب الوحيد للنجاح ... فكيف سطعت شمس هذه العلامة التجارية وأصبحت قيمتها تقدر هذه الأيام بنحو خمسة وثمانين بليون دولار أمريكي

أتذكر أيضا قراءتي للعديد من الحالات الدراسية التي تتحدث عن استغلال ستاربكس للأبحاث التسويقية من أجل فهم أسواق معينة لمواكبة رغبات المستهلكين فيها، السوق الياباني كمثال، عندما قررت ستاربكس دخول هذا السوق عام 1996 استعانت بأحد الشركات الاستشارية التي كانت توصيتها الرئيسية هي أن دخول ستاربكس للسوق الياباني سيكون كارثيا إلا أنهم لم يستمعوا لهم وجازفوا وقاموا بإجراء العديد من أبحاث السوق اليابانية لدراسة سلوكيات اليابانيين وأساسيات تفضيلاتهم ليساعدهم البحث على وضع قائمة بالمشروبات والمأكولات التي تتناسب مع الثقافة والذوق العام لدى اليابانيين والذي يغلب على ثقافتهم استهلاك الشاي بدلا من القهوة ومن تلك البداية ورغم أن زراعة عادات جديدة وبناء ثقافة جديدة في أي مجتمع صعبة ومكلفة جدا إلا أنهم بعد سبع سنوات فقط نجحوا بافتتاح أكثر من ألف فرع هناك، وهذا يدل على مرونتهم مطبقين المثل القائل (فدارهم إن كنت في دارهم)، وهنا أود التنويه بأن ستاربكس لا تطبق نظام الفرنشايز إلا في حالات نادرة جدا وإنما تقوم بافتتاح جميع فروعها بنفسها وكلهم يقعون تحت نفس المظلة في الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن هذا أيضا ليس السبب الرئيسي في نجاحهم وإنما أحد الأسباب

عودا على بدء وإجابة على السؤال: الذي يميز ستاربكس عن غيره من المقاهي هو تجربة العميل الاستثنائية، وصناعة تجربة عميل استثنائية ليست بتلك السهولة التي يمكن أن يتخيلها البعض، لأن التجربة المتميزة عبارة عن معادلة تتضمن العديد من العناصر: الموظفين، الإجراءات، الثقافة، سماع صوت العميل، ضبط الجودة، التحسين المستمر، إبداع وابتكارالعديد من المنتجات الجديدة المتمحورة حول الحاجات الإنسانية ... وغيرها

المكون الرئيسي لنجاحنا هو أن علامتنا التجارية لم تبنا على أساس الإعلانات والحملات الترويجية وإنما بناء على تجربة العميل 
هوارد شولتز

بداية بالموظفين
طبقت ستاربكس نظاما يسمح لكل الموظفين العاملين فيها أن يصبحوا شركاء بالشركاء من خلال حصولهم على حصة بأسهم الشركة وتلك الحصة تزداد مع ازدياد سنوات خدمتهم ومن خلال تلك الشراكة لن يتملك الموظف أي شعور بأنه عبد مأمور يعمل بأجر وإنما سيشعر بأنه شريك وسيعمل كما لو أنه يعمل لصالحه الخاص ... في نهاية المطاف المعاملة السيئة أو الجيدة من قبل أرباب العمل مع الموظفين تنعكس كما المرآة على أداءهم وتعاملهم مع العملاء، ولذلك ينصح خبراء بحوث السوق عملائهم بإجراء دراسات لقياس رضا الموظفين بالتزامن مع إجراء دراسات لقياس رضا العملاء لوجود علاقة طردية بين نتائج الدراستين، أخيرا أود تذكير القراء بأن ستاربكس أعلنت مؤخرا عن نيتها برفع أسعار مشروباتها لغرض تحسين دخل الموظفين وليس لزيادة الأرباح فكيف ستكون مشاعر موظفيهم عندما يجدون هذه الخطوات الجرئية من قبل إدارتهم ولذلك قد تكون نسبة انحلال الموظفين لديهم الأقل على مستوى الصناعة نفسها بالمقارنة

إذا قدمت لموظفيك ما يتجاوز توقعاتهم، سيقدمون لعملائك الخدمة التي تتجاوز توقعاتهم 
هوارد شولتز

الإجراءات وضبط الجودة
وجود إجراءات عمل موثقة وبتفصيل ممل أمر في غاية الأهمية لضمان تقديم مستوى خدمة موحد في جميع الفروع، مع التنبيه إلى أن هذه الإجراءات يجب أن لا تقيد عفوية التصرف للموظفين خصوصا إن كان هذا التصرف إيجابي ويخدم في بناء صورة جيدة عن الشركة، الإجراءات أيضا يمكن أن ينطوي تحتها معايير تصميم الفروع والتي تهتم ستاربكس بأدق تفاصيلها والتي لربما لا يشعر أو يلاحظها العميل إلا أنها تقتحم عقله الباطن وتجعله يعود ليشتري من جديد دون أن يدرك كل الأسباب التي دفعته إلى ذلك، كثيرا ما نسمع عن مطاعم أو مقاهي أثارت ضجة كبيرة حين افتتاحها ثم لا تلبث أن تتدهور سمعتها وتتدنى جودة ما تقدمه وهذا يرتبط ارتباطا رئيسيا بعدم وجود أو عدم الالتزام بالإجراءات والمعايير التي تضمن تقديم أفضل جودة بشكل مستمر
في ستاربكس ستضمن إجراءاتهم على سبيل المثل آليات تضمن اختيار أفضل موردي القهوة بداية بزيارة المزارع في دول مختلفة ونهاية بتوريد أنواع مختلفة من القهوة لكل الفروع حول العالم ليكون طعم مشروبك المفضل في الشرق الأقصى مطابقا لطعمه في الغرب الأقصى

صوت العميل ونموذج لاتيه
مواقع الانترنت مليئة بالقصص التي يتحدث أصحابها عن حصولهم على مشروب مجاني على حساب الفرع ذلك إما لأنه كان غير راضيا لسبب ما أو لأن طلبه لم يكن متوفرا بسبب نقص بالموارد أو لسبب بسيط جدا أنه عن طريق الخطأ أوقع كأس القهوة دون أن يهنأ برشفة واحدة منه، فأي من المقاهي الأخرى التي تعرفها يقوم بذلك؟ كذلك الاستفادة من شكاوى العملاء واعتبارها هدية من العميل يعد ثقافة شركة في الوقت الذي نرى العديد من الشركات العربية تبتكر طرقا لتجنب تسجيل الشكوى وتوفير قنوات لها

 صوت العميل في ستاربكس مسموع من خلال عدة قنوات منها الشبكات الاجتماعية وبنك الأفكار الذي يعتمد على مساهمات العملاء تجده هنا، تلبية احتياجات العميل أمر في غاية الأهمية لضمان ولائه وتكرار تردده وطلبات العميل في مقاهي القهوة غريبة عجيبة فهذا يريد سكر وآخر محلي صناعي وآخر يريد القهوة منزوعة الكافيين وهذا يريد إضافة نكهة معينة والآخر يريد حلبيا منزوع الدسم من أجل حميته الغذائية وآخر يريد شيئا غير موجود  على قائمة المشروبات ... العملاء متطلبين ولكل منهم ذوق خاص

بالنسبة لنموذج لاتيه وهو أحد النماذج الذي يتم تدريب الموظفين عليه عند التحاقهم بالعمل لدى ستاربكس والجميل أنه استطاعوا تسمية النموذج على اسم أحد أشهر المشروبات لاتيه، وقد تطرق لهذا النموذج المؤلف تشارلز دويج في كتابه قوة العادة 

تصميم أدق التفاصيل
تحدثت في مقالي السابق عن تصميم التفاصيل الصغيرة، إذا ما سألت ودققت في معظم المقاهي والمطاعم المتميزة حول العالم سيذهلك تدقيقهم بأدق وأصغر التفاصيل ووضع معايير لكل ما يمكن أن يؤثر بالإنسان وبحواسه الخمس، فالرائحة أصبح لها شركات متخصصة تقدم توصيات بالعطور التي يجب بثها ضمن مكان معين وعن تكرار بث هذه الروائح (تلبية حاسة الشم)، وهناك شركات أخرى أيضا تقدم استشارات تتعلق بالصوتيات والموسيقى التي يمكن أن يتم تشغيلها بما يتلاءم مع طبيعة ما يتم تقديمه والأجواء المحيطة (تلبية حاسة السمع) ولستاربكس ذوق خاص باختيارها لموسيقى معينة، وأما النظر فيتعلق بالتصميم الداخلي للفروع وشكل الطعام أو الشراب وآلية تقديمه والإضاءة وقوة سطوعها وانعكاسها .. أنت كعميل ربما لم تفكر لوهلة أن كل هذه الأمور يتم بحثها ومناقشتها بعناية ولا تعرف ماذا يحدث وراء الكواليس

فلسفة الخدمة
بدون وجود رؤيا واضحة عن الخدمة التي يجب تقديمها للعملاء من الصعب أن يكون هناك نغمة موحدة للخدمة المقدمة، وستجد كل موظف يغني على ليلاه، جوزيف ميكائيل في كتابة تجربة ستاربكس لخص نجاح هذه السلسلة في خمس ركائز رئيسية، أقدمها باختصار شديد بحسب فهمي لها بعد قراءة الكتاب وهي لا تغني عن الرجوع للكتاب بأي شكل من الأشكال

أن تكون مرحّبا: هل تلاحظ أن قلة من منافذ الخدمة حينما تدخل إليها ترحب بك أو تعرض عليك المساعدة، شخصيا في عدة مرات قمت بالخروج من المحل إذا لم أجد من يرحب بي أو يعرض علي المساعدة لاعتباري بأن ذلك قلة مبالاة بي وهذا طبيعي فأحد الحاجات الرئيسية بحسب هرم مازلو (الحاجة إلى التقدير)، الحاجة التي لم تغفل عنها إدارة ستاربكس، وحيث أن العديد من المقاهي والمطاعم لا ترحب بمكوث العميل لوقت طويل لديها هناك ثقافة لدى موظفي ستاربكس بعدم إزعاج العميل حتى و طالت مدة مكوثه، بينما نجد من يتنحنح ويرمقك بالنظرات ولربما تردد عليك عدة مرات لكي تطلب طلبات إضافية.

أن تكون صادقا: عندما نتحدث عن كل ركيزة من ركائز الخدمة تذكر أن الموظف شريك، كيف سيتصرف الموظف مع العملاء إذا ما شعر بأنه تميزه يصب في صالحه بالنهاية، هل تسطيع أن تنبي حافزا أقوى من هذا الحافز لدى الموظفين الذي لا يحصلون من الشركة إلا على راتب نهاية كل شهر؟ لا أعتقد ذلك ... ومن هنا جاء مبدأ أن يكون الموظف صادقا وأصيلا في تصرفاته لا أن يتصنعها حيث يسهل على العملاء تميز الخدمة التي تنبع من القلب من تلك التي يتم تقديمها بسبب الخوف من العقوبة، في ستاربكس يتحول كل موظف إلى ما يشبه مدير علاقات العملاء بحيث يعرف عن كل عميل أكثر ويتذكر اسمه وأسماء أولاده ومشروبه المفضل هذا ما يجدر بمدير العلاقة القيام به للمحافظة على العلاقة ولتنمية العمل القادم من هذا العميل، وعندما يتصرف موظفو ستاربكس على سجيتهم ويبنون هذا النوع من العلاقة فإن ذلك لا يعود بالنفع النفسي على عملائهم وحسب بل عليهم أيضا بحيث يخفف هذا النوع من التعاملات وطأة ملل الروتين لتتحول وظائفهم من عمليات بلا ملامح إلى علاقات مليئة بالبهجة والطاقة

أن تحترم رغبات الآخرين
وذلك من خلال العديد من المبادرات التي تخدم المجتمع وتخدم البيئة بداية من استخدام مصادر الطاقة المتجددة، والتبرع لمشاريع إغاثية في الدول النامية، وبناء المدراس والعيادات صحية، وكذلك منع التدخين داخل الفروع منذ عام1971، دعم مزارع القهوة ومحاولة توفير سقف معيشي مقبول للعاملين فيها ولدى ستاربكس معايير خاصة تضعها لمورديها كشرط للتعامل معهم وشراء القهوة منهم  تجدوها هنا، ونهاية بدعم المبادرات التطوعية التي تفيد المجتمع ودعم المشاريع الصديقة للبيئة.

أن تكون على دراية ومعرفة
الميزانية المخصصة للتدريب بحسب مجلة فورتشن 500 تتجاوز ميزانية الإعلانات، وللأسف معظم الشركات العربية شحيحة جدا في تدريب موظفيها وتعمل على مبدأ ماذا لو دربته ثم استقال، بينما الشركات الناجحة تعمل على مبدأ ماذا لو لم أدربه وبقي يعمل لدي 
 

The Green Apron Book

 

كتيب يساعد الموظف على بناء الذكاء العاطفي ويعلمه كيف يطفي على علاقته مع العملاء جانبا شخصيا، يتم إعطاء نسخة منه لكل موظف، ولعل من زار أحد مقاهي ستاربكس خصوصا في الغرب لاحظ الفرق الشاسع في طريقة تعامل الموظفين مع العملاء

 



ألقي نظرة من هاتفك الذكي على الموقع التالي المسمى بجواز القهوة  والذي يهدف إلى بناء الوعي عن القهوة وأنواعها وطرق تخميرها وتحميصها وكذلك المشروبات التي يقدمونها في مقاهيهم... الخ، وهي أحد متطلبات اجتياز الفترة التجريبية إذا يتحتم على كل موظف يعمل في ستاربكس أن يطلع على محتوى عن القهوة يتجاوز المائة صفحة ليتم اختباره بها بعد تسعين يوم، الموقع مفتوح للعامة ليتثقفوا هم الآخرين كما يشاؤوا وليكون منصة للحصول على إفادات العملاء من خلال إبداء ملاحظاتهم على منتجات يقدمها المقهى وبذلك يكون قد ضرب عصفورين بحجر واحد، التثقيف وتوفير قناة أخرى للحصول على صوت العميل

 أن تشارك
هناك فرق شاسع في أداء الشركات التي يقوم موظفوها بالقيام بما هو متوقع منهم أن يقوموا به وتحديدا بحسب ما سيؤثر في تقييمهم السنوي بناءً على مؤشرات الأداء الرئيسية، وبين تلك الشركات الأخرى التي يكون موظفوها مبادرون ويقومون دوما بأكثر مما هو متوقع منهم أن يقوموا به، المبادرة ضمن الفرع نفسه وعلى مستوى الشركة وكذلك للمجتمع، موظفو ستاربكس أو الشركاء بتعبير أفضل يساهمون في ابتكار منتجات جديدة من خلال إنصاتهم للعملاء، يقدمون اقتراحات للإدارة لتحسين جوانب معينة في المهام اليومية والإدارة تنصت لهم وتقدر مدخلاتهم ... والنجاح هنا يعتمد دوما على مبادرة الموظفين بالحلول بدلا من التشكي والملامة، أما عن ما يقدموه للمجتمع فالأمثلة كثيرة ومتعددة، يمكنك القاء نظرة على بعض برامجهم هنا 

في الختام

سأستبق الأحداث وأخصص هذه الفقرة لمن سيعتب لكتابتي مقال عن مقهى يشاع بأنه يدعم إسرائيل، لست هنا لأثبت أو أنفي ذلك ولا يهمني ذلك حقا فوراء الكواليس تكاد تكون معظم شركات العالم تدعم الكيان الصهيوني الهدف من المقال هو التنويه بقصة النجاح والاستفادة من الممارسات الناجحة التي انتهجها ستاربكس وليس غرضه الترويج للمقهى نفسه فأنا شخصيا لست من رواده ... والحكمة ضالة المؤمن.
يوجد أكثر من ثلاثين كتاب مؤلف عن سلسة المقاهي هذه فلك أن تتخيل حجم النجاح الناتج عن إحسانهم وحجم الإلهام الذي دفع أكثر من ثلاثين كاتب للكتابة عنهم

ملاحظة

"الآراء الواردة في هذا المقال شخصية ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر جهة العمل التي أنتمي إليها"

جميع مقالاتي المنشورة في لنكدإن هي للاستخدام المجاني غير التجاري

تابع صفحتي لتصلك أحدث مقالاتي ذات العلاقة بتجربة العميل أو أبحاث السوق