خاتم الجاحظ

234 مشاهدة
خاتم الجاحظ

الوضع الليلي

 

يقال بأن الجاحظ كان يقف يوما أمام بيته فمرت بقربه امرأة حسناء وطلبت منه أن يذهب معها إلى السوق. تبعها الجاحظ إلى أن وصلا إلى دكان صائغ، وهناك قالت المرأة للصائغ مثل هذا ثم انصرفت.  فيما بعد عرف الجاحظ أن المرأة أتت بخاتم وطلبت أن تنقش عليه صورة شيطان فأتت بالجاحظ لأنها ترى فيه صورة هذا الشيطان.


تذكرت هذه القصة وأنا أتابع نقاش استعرض فيه الزملاء من المهتمين بعلم التسويق رؤاهم حول العلامة التجارية وإذا كانت نشأة هذه العلامة تتطلب استراتيجية مفصلة أم أنها تكون وليدة الصدفة.


الزميل زياد أورقنجي يرى بأن المشاريع ليست بالضرورة (علامة تجارية / براند / وسم / ماركة).
وهي تظل تندرج تحت مسمى مشاريع حتى وإن كانت ناجحة ولا تصل لأن تكون "Brand" حقيقي بدون وجود تطبيق فعلي لاستراتيجيات الوسم brand strategy. وهذا ينعكس على كل ما تقدمه في وسائل التواصل المختلفة ويستطيع كل منهم التمركز “brand positioning” في ذهن العميل بالشكل الذي يساعده على المنافسة. تظل المشاريع الصغيرة والناشئة "مشاريع" إلى أن تصبح Brands وأسماء لها وزنها. بالتأكيد المشروع له قيمة تقدر بالأصول الثابتة ولكن له قيمة مختلفة بوجود brand معروف  بأسلوبه وشخصيته وله جمهوره.

العلاقة العاطفية مع brand تبنى بالتجربة وأحياناً كثير بالكلام المتداول word of mouth يبني عندنا الانطباع. كل ما ذكر قد يحصل بالصدفة. ولكن عندما نضع الاستراتيجية نحن لا ننتظر الصدفة. التطبيق الصحيح ولو كانت الاستراتيجية خاطئة يعني وجود فريق جيد يستطيع التطبيق بعد تعديل او تغيير الاستراتيجية.
اما التطبيق الخطأ فهو:
١-لا يعطي الفرصة لاختبار الاستراتيجية.
٢-لا يحقق اي تقدم مهما كانت الاستراتيجية رائعة. وهناك الكثير من الأمثلة الحقيقية من واقع خبرتنا تجد أن التطبيق والاستراتيجية ليس لهما علاقة وكثير من الشركات وضعت الاستراتيجية داخل الأدراج وبالتالي لم ترى النور او تم تطبيقها من قبل فريق عمل ضعيف جداً لا يملك الخبرة العملية او العلمية لذلك وبالتالي النتيجة واحدة. الاستراتيجيات تضع لنا خارطة الطريق بعد عمل البحث والدراسات.

الزميل عيسى المعاودة له رأي مخالف بعض الشيء إذ يعتقد أن الوسم أبسط بكثير من ذلك، حتى أن هناك براندات تُخلق بالصدفة. لكن تطبيق استراتيجيات البراند/الوسم يساعد على رفع مكانة البراند من سيء الى براند قوي ذو قيمه. والاستراتيجية في نفس الوقت إذا لم تكن صحيحة تُسقط براند حتى وإن كان قوي أُنشئ بالصدفة ويتحول الى براند منفصل عن الواقع. صحيح أن الاستراتيجية أساس كل مشروع، لكن استراتيجيات البراند توجه جديد لتاريخ البراندات في العالم وهو وسيلة لرفع فرص نجاح البراند.

عمر العريفي يرى بأن غالب المشاريع يتم إنشاؤها بجانب بصري فقط بدون استراتيجية بحيث يبدأ من الشعار وشكله وتطبيقاته. لكن بالرغم من ذلك فإن البعض يحتفظون في مخيلتهم باستراتيجية غير مكتوبة حتى وإن كانوا لا يعون أنها كذلك.

الأستاذة ساره التويجري ترى بأن معايير الاستراتيجية الصحيحة بالإضافة إلى التطبيق الصحيح هي الي تحدد طريقة خلق البراند في ذهن العميل. إن بناء البراند يعتمد على ركيزتين أساسيتين ١. العقل ٢. العاطفة. بالنسبة للعقل، يود كل براند ان يكون جزء من قرار الشراء العقلاني وبالتالي يعمل على ركائز التسويق المعروفة بتقديم منتج/خدمة بسعر مناسب بالمكان المناسب بالتصميم المناسب ومن ثم يطلقها بالسوق في القنوات والرسالة المناسبة أما بالنسبة للعاطفة، وهي الجزء الاصعب في بناء البراند، فيدخل المسوق في اللاوعي ويتمركز اعتمادا على السلوك (اما بتغييره أو تعزيزه إذا كان قائم) وفي هذا المجال الموضوع يأخذ منحى استراتيجي وتكتيكي بحت.
 بدون فهم سلوك المستخدم لا يمكن لأي براند الارتقاء الى التأثير العاطفي الا في حالات الصدفة، وهي حالات جميلة تدل على كبر حظ العلامة التجارية. يوجد على سبيل المثال زيت باراشوت وهو زيت طبخ من جوز الهند ارتفعت مبيعاته في وقت ما ولم يفهم القائمين على البراند سبب الزيادة ولكنهم اتجهوا لتعزيز الهوية بعمل إعلانات طبخ ورعاية برامج الطبخ. إلى ان اكتشفوا من خلال بحوث التسويق ان الزيادة كانت بسبب استخدام النساء للزيت كمنتج تجميل للشعر. فتغيرت العلامة التجارية في استخدامها وتمركزها.

الدكتور ثامر باعظيم مؤمن بأن الفريق الذي يستطيع تطبيق الاستراتيجية هو العملة النادرة. كثيرون هم الذين يستطيعون تطوير استراتيجيات على الورق، لكن التنفيذ دوما هو المحك. وفي حال استطاع الفريق تطبيق الاستراتيجية واكتشف الخطأ اثناء عملية التطبيق فحتمًا ستكون لديه القدرة على العودة وتعديل او تطوير الخطة اثناء التطبيق لتجاوز الخطأ او على الأقل التقليل من أثره.

دكتور سعد الحقيل يؤيد التوجه بان البراند نتيجة وليس عمل أو استراتيجية، بمعنى أن البراند المميز هو نتيجة عدة عوامل أهمها: استراتيجية الشركة العليا، طريقة إدارة  قياداتها، استراتيجيتها التسويقية، استراتيجية التوسع لديها وما إلى ذلك. بمعني أن البراند هو كالسعادة ما هي الا نتيجة أمور أخرى (الايمان، العائلة، العلم، المال، الصحة، العلاقات، الوقت المتاح، الخ) و كلنا نؤمن بأننا لا نستطيع مطاردة السعادة مباشرة بل نحصل عليها نتيجة جمع أكبر قدر من أسبابها.

أعود الآن بكم إلى قصة الجاحظ الذي  تحول إلى علامة تجارية ترمز للقبح في عصره.
 اخترت هذا المثال تحديدا لأوضح أن العلامة التجارية لا يجب أن تكون مرتبطة دوما بأمور إيجابية ولكن هناك أيضاَ ما يمكن أن يمثل ارتباط سلبي. الأمر الآخر الذي أحببت أن أشير إليه هو أن تاريخنا العربي مليء بالكثير من العلامات التجارية وإن كنا ندرجها تحت مسميات مختلفة. لكن السؤال الذي نشترك في طرحه الآن ونربطه بوجهات النظر التي تم استعراضها أعلاه هو هل وضع الجاحظ استراتيجية ليصبح بمثابة الوسم الذي يرمز للقبح بين البشر أم أن الأمر بمثابة الصدفة؟