شركات بضمير

1005 مشاهدة
شركات بضمير

الوضع الليلي

هل الأداء المالي الجيد أمر كاف لوصف العمل التجاري بالمتميز؟ هل الأرباح هي المعيار الأساسي لنجاح الشركات ومختلف الأعمال التجارية؟ لنفكر في الأمر قليلاً. يقول هنري فورد مؤسس شركة السيارات الأمريكية الشهيرة: "العمل الذي لا يحقق سوى أرباح مادية هو عمل ضعيف".

 

في الواقع إن أعمال اليوم في حاجة ماسة، أكثر من أي وقت مضى، إلى الكثير من القيم والمبادئ الأخلاقية، فالمعرفة العملية والمهارة المهنية وحدهما أنتجا أرباحاً، لكنهما في حالات كثيرة فشلا في إنتاج قادة تنفيذيين على قدر كاف من المسؤولية، الذين لم يستطيعوا تجنب السلوكيات الخاطئة التي ربما تماشت مع إغواء الربح، غاضين النظر عما ينتج عن هذا الربح من خسائر فادحة على الصعيد الأخلاقي والاجتماعي.

 

نحن في حاجة ماسة إلى الأخلاق في عالم التجارة، لأنها ضرورة ملحة. فلا أحد يريد أن يعمل في مجتمع يسود فيه الغش والخداع والكذب والخيانة. بل أن مجتمعاً كهذا لا يمكن أن يتقدم في سلّم الحضارة. وبلمحة سريعة إلى عالم أعمال اليوم، نجد أن شركات كثيرة "كبرى" وقعت في فضائح كبيرة بعد ثبوت سلوكها اللاأخلاقي؛ إنرون الأمريكية تلاعبت في أوراقها المالية، بارمالات الإيطالية زورت وثائق ومستندات مالية، فولكسفاغن الألمانية تلاعبت برمجياً بمعدلات انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون لسياراتها، بيل بوتينجر البريطانية (عملاق العلاقات العامة) ثبت تورطها بتبني برامج علاقات عامة مثيرة للعنصرية والكراهية في جنوب أفريقيا.. وكلها سقطت سقوطاً أخلاقياً ومالياً مريعاً.

 

هذه الحالات وغيرها قادت الأكاديميا الغربية للحديث بإسهاب عن أهمية تدريس الأخلاق، ودمجها بشكل أو بآخر في مناهج إدارة الأعمال. وأصبحت كليات أعمال كثيرة تُدرّس أخلاقيات الأعمال. إلا أن الحديث حول جدوى تدريس الأخلاق ما يزال مثار نقاش، لأن البت في الاختيارات الأخلاقية في أي إشكال عملي أمر تكتنفه الحيرة وتغلّفه الصعوبة، فلا إجابات قاطعة ولا أجوبة شافية في معظم الإشكالات الأخلاقية العملية، تماماً كما في الحياة الشخصية، فمثلاً: هل ستخبر الحقيقة لأن الصدق فضيلة، أم ستؤثِر الكذب لأن الصدق قد يهدم كثيراً من العلاقات والمكتسبات؟ والحقيقة أن الجدل حول أي الجوابين أقرب للصحة لن ينتهي.

 

ولأجل ضبط الأمور والاتفاق على أسس أخلاقية مرجعية عامة، سارعت شركات كثيرة إلى تبنّي مواثيق أخلاقية تضبط بها أداء أعمالها "أخلاقياً"، بحيث تُلزم كل عامل فيها بالتقيد بمجموعة من المبادئ والمعايير والإجراءات التي تضمن نزاهة وشفافية أعمالها واستقامتها، لتحقيق أهداف العمل وأهداف المجتمع في آن. ففي هذه المواثيق ضوابط وأحكام عامة تُشكّل إطاراً أخلاقياً للممارسات العملية، بحيث تتماشى مع الأنظمة والقوانين، وتحفظ حقوق الأفراد والجماعات، وتضمن احترام الجميع، وتوفر العدالة والمساواة والشفافية، وتحفظ المجتمع من كل ما يضره، وتحمي البيئة والمخلوقات من الأضرار التي قد تنتج عن تأدية الأعمال.

 

وفوائد المواثيق الأخلاقية Codes of Conduct  جمة، فهي تدعم التزام المنظمة بالأنظمة والقوانين الرسمية، وكذلك بالأعراف التجارية السائدة، وتنير عملية اتخاذ القرارات في مجال العمل بشكل يومي، وتعزز ثقة الناس في المنظمة، وتشكّل ميزة تنافسية داعمة ودليلاً واضحاً على التزام المنظمة الأخلاقي والمهني يُسوّق ويُروّج لها ويَرفع صيتها؛ فالمنظمات النزيهة، في كل المجالات، يميل الناس بقوة إلى الاعتماد على منتجاتها وخدماتها ومعلوماتها.