شركات تغرد خارج السرب

1615 مشاهدة
شركات تغرد خارج السرب

الوضع الليلي

‏يقال: من راقب الناس.. مات هماً. وهذا المثل قد ينطبق على الشركات والأعمال التجارية. فمن المعتاد أن تراقب الشركة منافسيها. لكن الاستغراق في مراقبة المنافسين مرض قد يقود فعلاً إلى موت العمل التجاري.

‏وبنظرة سريعة إلى عدة قطاعات في سوقنا، نجد أن التركيز على المنافسين أكبر بكثير من التركيز على العملاء/الزبائن/المستهلكين. شركات العود (البخور) مثلاً.. يتضح فيها هذا الداء بشكل جلي. شركة تعمل تخفيضات.. البقية يخفضون. شركة تروج لمنتَج.. البقية يقلدون. شركة تستعمل فاشنيستا.. البقية يتبعون. وهكذا...! لدرجة أن عروضهم أصبحت متناسخة.. متشابهون حتى في ألوان الشعارات وطريقة إخراج الإعلانات!

في قطاعات عالمية أكبر، كسوق صناعة السيارات، لو اكتفت فولكسفاغن مثلاً بمراقبة ما تصنعه تويوتا من سيارات وإعلانات، لأدى ذلك إلى إهمال الصورة الكبرى لسوق السيارات أو التحولات التقنية الثورية Disruptive Technology التي ستُحدث تغيّراً في مفهوم السيارة أو النقل إلى الأبد: مثل السيارة الموجّهة "بدون سائق"، أو السيارة الكهربائية، تطبيقات النقل التشاركي (أوبر وأخواتها)، وغير ذلك. لا ننسى أن شركة جنرال موتورز العملاقة حاولت الاستحواذ مؤخراً على "ليفت" وهو منافس "أوبر" في الولايات المتحدة بصفقة يقال بأنها بلغت الستة مليارات دولار، ولكنها لم تتم! هذا مؤشر مهم لا يمكن قراءاته بمعزل عن التغيرات الكبرى في هذه الصناعة.

‏في الحقيقة، قلة من الشركات تعمل في السوق دون إطالة النظر فيما يفعله منافسيها، وهي استراتيجية "شجاعة" في مجال الأعمال لا يقدم عليها إلا قلة. تخيل أنك تعمل في مجال الأجهزة المنزلية.. ماذا ستقدم؟ السوق مليء بالعروض التقليدية المتشابهة، والتنافس في خفض السعر والتصنيع في الصين وخلق ماركات تنافسية رخيصة؟!

‏شركة أجهزة منزلية إيطالية اسمها  Smeg، تناست تماماً ما يفعله مصنعو الأجهزة المنزلية في أمريكا واليابان وكوريا والصين.. وركزت على احتياجات فئة في المستهلكين المحبين للموضة والموضة الإيطالية تحديداً، وقدمت ثلاجات وأفران وأجهزة متوافقة مع الموضة، وطرحتها بضعف الثمن تقريبا! شعار هذه الشركة:

Technology with Style ، أي: "تقنية مع لمسة موضة". وأوجدت بهذا مكانا خاصا بها في السوق، لا يزاحمها عليه أحد. تخيل أن تشتري منها أجهزة منزلية بلمسة Dolce & Gabbana مثلاً!

‏هذه الاستراتيجية في العمل أصبح يطلق عليها: "استراتيجية المحيط الأزرق"، وخلاصتها: حاول خلق سوق جديد، لتكون خارج المنافسة، تصبح الشركة معها كعصفور يغرد بعذوبة خارج السرب. تخيل أن شركة الاتصالات "زين" في السوق السعودية مثلاً.. ركزت على الإنترنت والبيانات، وتركت سوق الاتصال للأبد لموبايلي تتصارع فيه مع STC ، لكنه قرار شجاع.. لن تتخذه شركة مساهمة مثقلة بيروقراطياً ومحبطة بخسائر السنين.

‏كما أن الشركات العائلية صعب جداً أن تقوم بهذا العمل. لأن الشركات العائلية قائمة على التقاليد.. واستراتيجية المحيط الأزرق تقوم على إعادة النظر في التقاليد وربما كسر هذه التقاليد والخروج عن دائرة المألوف والمعتاد بالسوق. إنها مهمة صعبة جداً.. كأنك تطلب من سمكة أن تهجر البحر.