عندما وصلتني رسالة من أمن الدولة

857 مشاهدة
عندما وصلتني رسالة من أمن الدولة

الوضع الليلي

"قاتل أو أهرب" هي آلية موجودة في الدماغ البشري تطلقها غدة "اللوزة الدماغية" عند الإحساس بالخوف من خطر ما. تهدف هذه الآلية الى حمايتنا عبر ضخ هرمونات الأدرينالين و الكوريتزول مما يسرع دقات القلب و التنفس و يبطئ الهضم، دافعا الدم الى العضلات الأساسية و تنطلق حينها آليات عصبية مختلفة تعطي الجسم الطاقة و القوة التي يحتاجها اما لقتال الخطر او للهرب منه. 

مشكلة هذه الآلية أنها تشوش آليات التفكير المنطقي في الدماغ. 

سأشرح ذلك بمثال عملي:

بعد يوم عمل طويل فتحت هاتفي لأتفقد مابه من اتصالات و رسائل، فوجئت برسائل  تقول شيئا ما عن شيء ما و تدعوني للذهاب الى أمن الدولة و مكافحة المخدرات و مديرية السجون. "شيء ما شيء ما" هي نتائج ان دماغي أطلق آلية "قاتل أو أهرب"، رغم أني لا أدخن، و أحب وطني، و لم أسجن في حياتي.

المهم أن هذه الآلية تستغرق من 20 الى 60 دقيقة لتنطفئ و يبدأ بعدها الدماغ في استعادة هدوءه و منطقه، و استطعت أنا بعدها أن أميز أن هذه الرسائل كانت دعوات كريمة لزيارة أجنحة هذه الجهات في المهرجان الوطني للتراث و الثقافة، دعوات يسعدني جدا تلبيتها متى ماتيسر الوقت.

أعود الآن الى عالم الأعمال، الى ابداعات شركة كورنينج، بالطبع عزيزي القارئ أنت تعرف شركة كورنينج؟

غير معقول!!

شركة عمرها يتجاوز المائة و ستين عاما!!

شركة غيرت العالم بأكمله مرتين على الأقل!!

شركة منتجاتها تملأ بيتك و سيارتك و مكتبك و حتى جيبك؟

منتجاتهم وصلت للفضاء الخارجي عزيزي القارئ و أنت لازلت لا تعرفهم؟!

كورنينج هي شركة متخصصة في تكنولوجيا الزجاج، هي الشركة التي صممت لأديسون زجاجة مصباحه الكهربائي و أنشأت اول مصنع للمصابيح الكهربائية في التاريخ. كورنينج كانت الشركة التي استطاعت صناعة الياف بصرية قادرة على المحافظة على قوة الإشارة لمسافات طويلة، و بالتالي اطلقت ثورة تكنولوجيا الاتصالات في العالم كله. شاشة هاتفك التي تقرأ فيها مقالي الآن مصنوعة من مزيج زجاجي خاص يدعى "زجاج غوريلا"، و هو زجاج صنع بتقنية خاصه طورتها شركة كورنينج لشركة أبل عندما أراد ستيف جوبز استبدال الشاشة البلاستيكية بشاشة زجاجية أوضح و أكثر مقاومة للخدوش. أصبح هذا الزجاج خاصية أساسية لكل الهواتف الذكية المتقدمة.

التقنيات التي طورتها كورنينج في الزجاج تستخدم في نوافذ المكوكات الفضائية، في شاشة تلفازك، بل حتى في مطبخك (للأمانة، الاختراع الأخير لم يكن شركة كورنينج تحديدا، بل زوجة أحد علماء شركة كورنينج و التي وجدت في منزلها قطعة زجاج نسيها زوجها و قررت استخدامها كقاعدة للفرن، فوجئ زوجها عندما عاد و  رأى قطعة الزجاج خارجة من الفرن بدون أن تتأثر، و اطلقت السيدة ،بشجاعتها في استخدام أغراض زوجها عندما تجدها بالصدفة، صناعة أواني الفرن الزجاجية المنزلية حول العالم).


هناك احتمال كبير عزيزي القارئ أنك بعد قراءتك لهذا المقال لن تسمع مجددا عن كورنينج، الا إذا بحثت عنها بنفسك.  و ليس ذلك من قبيل الصدفة، كورنينج لن تصرف دقيقة واحدة في محاولة الوصول اليك و التواصل معك. السبب هو أنه عند تصميم منظومة التواصل للشركة او المؤسسة، نقوم أولا باختيار المستهدفين، و بعد ذلك الرسالة، و من ثم القناة و الوقت و الطريقة، جاهدين على أن نضمن تناغم كل هذه الخطوات بما يضمن إيصال الرسالة و تأثيرها كما نريد. أنت، عزيزي المستهلك النهائي، رغم انك تستخدم منتجات كورنينج و تحتاج اليها، لكنك لست الفئة المستهدفة لكورننيج، تواصلهم مباشرة معك لن يكون ذا مردود إيجابي لك أو لهم، بل على العكس قد تسئ فهم الرسالة و تجدها طريفة أكثر من كونها عملية.

بيرنارد باروتش، مستشار الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت، لديه قول مأثور: "لكل إنسان الحق في رأيه الخاص به، لكنه لا يملك الحق في أن يكون مخطئًا في الحقائق". نبهتني هذه العبارة الى أن لكل مسؤول الحق في التواصل مع الجمهور، لكنه لا يملك الحق في أن يكون مخطئاً في اساسيات التواصل المؤسسي.