لحظة الصفر الحقيقية: السينما والتلفزيون كأدوات تسويق سياحي

312 مشاهدة
لحظة الصفر الحقيقية: السينما والتلفزيون كأدوات تسويق سياحي

الوضع الليلي

يمثل التسويق الفعّال أحد الركائز الأساسية لنجاح السياحة في أي وجهة، والإعلام أداة مهمة جداً لتحقيق هذه الفعالية. عندما تعمقت أكثر في دراسة السياحة السعودية وجدت أن إحدى أكبر المشكلات التي تعاني منها هي غياب التسويق الفعال، فالسائح السعودي بل وحتى الخليجي والعربي والمسلم والأجنبي كلهم يشتركون في أمر واحد؛ لا يعرفون شيئاً عمّا تتمتع به المملكة من مقومات سياحية. عندما تتحرك القيادة في المملكة لتجعل من السياحة أساساً من أسس اقتصادنا الوطني فيجب أن تكون هناك تحركات على نفس المستوى من الجهات التي يعنيها هذا الأمر، هيئة السياحة والتراث الوطني، هيئة الترفيه، وزارة الثقافة والإعلام، وزارة الشؤون البلدية والقروية، وإمارات المناطق، كل جهةٍ حسب مساحتها.

خلال العشر سنوات الماضية، استغلت تركيا الدراما للتسويق لنفسها كوجهة سياحية مناسبة للعرب وفي مقدمتهم السعوديين واستطاعت من خلال ذلك أن تنهض باقتصادها. هذه الرسائل التسويقية لتركيا والتي تصل إلينا بشكل مباشر أو غير مباشر لم تكن تصلنا عبر قنوات تركية، بل كانت تصل إلينا عبر منصات إعلامية عربية وسعودية. فعندما نتابع هذا المحتوى على قناة وطنية أو مدعومة برؤوس أموال وطنية فِعلياً نحن لا نشاهد فقط المحتوى بل نبني أيضاً في أذهاننا صوراً عن هذه الأماكن الجميلة التي نراها في الشاشة، ثم نبدأ لاحقاً بالتفكير في كيفية الوصول إليها. استوعبت تركيا حجم تأثير مسلسلاتها وأفلامها على المشاهد العربي، فقدمتها مجاناً أو بأسعار منخفضة للقنوات التلفزيونية العربية لتدبلجها وتعرضها للجمهور العربي، بل يذهب البعض لأبعد من ذلك ويؤكد أن تركيا في البداية كانت تدفع لقنواتنا لعرض مسلسلاتها لنا كجمهور مستهدف، ومؤخراً زادت تركيا من جرعتها عبر مسلسلاتها التاريخية الموجهة أيضاً للمشاهد العربي والتي تحمل رسائل سياسية مبطّنة بالإضافة لترويجها لسياحتها التاريخية. هذه الخصومات التي تقدمها تركيا على برامجها، نابع من وعي الأتراك أن الفائدة المنتظرة ليست من بيع المنتج التلفزيوني بل مما سينتج عنه من ارتفاع في أعداد السياح والزوار.

للأفلام والمسلسلات والبرامج التلفزيونية دور هامٌ وفعال في التسويق للوجهات السياحية، ففيلم ملك الخواتم استطاع أن يساهم في زيادة أعداد الزوار إلى نيوزيلاندا بنسبة تصل إلى 50%، وتستقبل بريطانيا سنوياً ملايين السياح يأتون بسبب أفلامها الشهيرة كأفلام جيمس بوند وهاري بوتر، واستطاعت الأردن أن تصبح وجهة مهمة للسياح البريطانيين خلال فترةٍ ماضية من خلال استضافتها لتصوير فيلم لورنس العرب. أيضاً السينما والمسلسلات المصرية واللبنانية استطاعت جذب الجيل القديم من السعوديين والخليجيين نتيجةً لما عرضته من محتوى كان مناسباً لجذب السوق الخليجي في تلك الفترة. دبي أيضاً استطاعت التسويق لنفسها من خلال الأفلام، وأشهر مثال على ذلك فيلم "مهمة مستحيلة: بروتوكول الشبح" لبطله توم كروز الذي صُوِّرت لقطات منه في دبي تمثلت في قفزة البطل من برج خليفة، وبرغم أنه لا توجد احصائيات تتحدث عن حجم تأثير هذا الفيلم بالذات، لكن توجه دبي - كما صرّح رئيس لجنة دبي للإنتاج التلفزيوني والسينمائي- لأن تكون وجهة رئيسية لتصوير الأفلام والمسلسلات العالمية بالتعاون مع دائرة السياحة والتسويق التجاري دليلٌ كافٍ على أن المسؤولين فيها رأوا شيئاً مختلفاً بعد استضافة هذا الفيلم عام 2011.

تأثير الأفلام والمسلسلات والمواد المرئية عموماً يكون فعلياً في (لحظة الصفر الحقيقية) اللحظة التي تسبق اللحظة التي يفكر فيها العميل/ السائح باتخاذ قرارٍ ما، اللحظة التي يقضيها العميل/السائح مراقباً صامتاً وهو يتلقى الرسائل التسويقية، ليبدأ بعدها مراحل اتخاذ القرار. في لحظة الصفر هذه، يجمع العميل/السائح معلومات كثيرة عن منتجات وخدمات ووجهات سياحية كثيرة، وعندما يقرر الشراء/السفر، يستحضر الأقوى صورةً من هذه المنتجات/الخدمات/الوجهات في ذهنه، وبالتالي تصبح خياره الأول.

الجهود التي تقوم بها الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني جيدة، لكنها لا ترقى تسويقياً لحجم المنافسة من الدول الأخرى. كجهاز سياحة وطني NTO وجهاز تسويق سياحي DMO لم تستطع الهيئة أن توجه رسائل تسويقية مناسبة للسوق السياحي المحلي ولا الأسواق الأخرى. الفرصة المتاحة اليوم لنا من خلال السينما في المملكة يجب أن نستغلها استغلالاً كاملاً لرفع الوعي العام بما تضمّه المملكة من مواقع سياحية طبيعية وغير طبيعية. تستطيع هيئة السياحة والتراث التعاون مع وزارة الثقافة والإعلام لتقديم الدعم للمنتجين والمخرجين لإبراز مقومات المملكة السياحية في ما ينتج من أفلام ومسلسلات، وهذا ضروري جداً للمرحلة القادمة. نستطيع بناء مشاريع سياحية ضخمة، لكن دون التسويق الصحيح لها لن يعرف عنها أحد. لدينا طاقات سينمائية جبّارة لكنها مبعثرة في الجوار، شبابنا هم من يقود الإنتاج خليجياً، لكن فائدة وطنهم منهم لا تكاد تُذكر، أحضروهم وادعموهم وشاهدوا النتائج.