هل نقول وداعاً للمتاجر التقليدية؟

2105 مشاهدة
هل نقول وداعاً للمتاجر التقليدية؟

الوضع الليلي

هناك متاجر تقليدية كثيرة أعلنت إفلاسها حول العالم. شركات كثيرة أقفلت أو قامت فعلاً بإقفال آلاف المنافذ بعد انخفاض مبيعاتها. مولات في الولايات المتحدة الأمريكية بدأت تعيد النظر في وضعها بعد انخفاض أعداد المتسوقين؛ بعضها تحول إلى مكاتب وبعضها إلى حلبات أو ساحات تزلج وغير ذلك، وبعضها أصبح قلاعاً مهجورة. بينما شركات التجارة الإلكترونية مثل أمازون وغيرها تتوسع وتتنوع محتوياتها، وتكبر مراكز التخزين والتوزيع لديها، وتجرّب طائرات "الدرون" لنقل البضائع للمنازل لتصل بسرعة، تماماً مثل طلبات البيتزا.

لقد قامت المتاجر تسويقياً على فكرة الموقع المكاني أو "التحالف العقاري" إن جاز التعبير، ولذا كانت أهم ٣ قرارات تقليدية في التجزئة هي: "الموقع ثم الموقع ثم الموقع". لكن، ومع ارتفاع أسعار العقار، ومع دخول الإنترنت، وظهور الموقع الافتراضي بدل الواقعي، هل يمكننا القول بأن التجارة الإلكترونية دقت المسمار الأخير في نعش المتاجر التقليدية؟

المتاجر الإلكترونية كانت في بداية ظهورها عاجزة عن تزويد المتسوقين بتجربة تسوق حقيقية كتلك التي يقضونها في المتاجر التقليدية، وذلك بسبب غياب اللمس والشم والتذوق كحواس أساسية لإدراك مزايا كثير من المنتجات. على سبيل المثال، من الصعب على المتسوق في متجر ملابس وأحذية إلكتروني أن يتأكد من المقاس أو من ملمس الخامة أو الجلد.

لكن هذا العجز دفع المتاجر الإلكترونية لعرض مزايا كثيرة جاذبة جعلت المتسوق يتلذذ بتجربة التسوق الإلكتروني، ومنها: المقارنة (الأسعار والمنتجات)، عرض آراء المشترين، التنوع، العروض البصرية للمنتجات (صور وفيديو)، إضافة إلى الراحة والسهولة (كل شيء يتم بضغطة زر ومن أي مكان وفي أي وقت). وحتى تناقص أجور الشحن وتنافس الشركات في مجال التوصيل بشكل مستمر شجّع على رواج التجارة الإلكترونية.

كل ذلك أدى إلى انخفاض مبيعات المتاجر التقليدية. أصبح الناس يتسوقون على أساس السعر، فالولاء للمتاجر قل بشكل واضح.

ولكن.. هل ستموت المتاجر التقليدية؟ الجواب بكل تأكيد "لا". وجود المتجر أساسي في الحياة. الناس تريد أن تشتري الآن ما يغطي احتياجاتها الدائمة، لن تنتظر "فيديكس" لتوصيل علكة أو علبة أسبرين أو طبق بيض. ولكن ما سيحصل هو كالتالي: عدد المتاجر التقليدية متضخم وزائد عن الحاجة (وفقاً للدراسات)، لذا سينخفض عددها حتماً. ستمر المتاجر والمجمعات التجارية في فترة تحول لتولد من جديد بشكل جديد وتجمعات محددة في مناطق استراتيجية في المدن، وذلك بشكل يعكس التغيرات الاجتماعية والتقنية والاقتصادية. وسيصغر حجم المتاجر التقليدية، وسيصبح استغلال المساحة بإبداع أمراً أكثر انتشاراً ووضوحاً.

أما أنواع المتاجر التقليدية التي ستبقى فهي المتاجر التي توفر أساسيات الحياة (مواد التموين والدواء والغذاء والخدمات الضرورية) إضافةً إلى تلك التي توفر تجربة حقيقية للمستهلك. لدينا في تويتر مئات أو آلاف الأصدقاء الافتراضيين، لكن صديقاً واقعياً واحد يوفر من الود والاهتمام والحميمية مالا يوفره كل هؤلاء. ومثل الصديق الواقعي، يأتي المتجر الواقعي ليلبي ما يقابل هذه الرغبات. الأمر أشبه بدخول متجر عطور يعبق بالروائح ومصمم بشكل فخم وفيه من الخدمة الشخصية ما يبهج، مقارنة ببعض صور قناني العطر المعروضة للبيع أونلاين.

وهناك عامل قوي سيحافظ على بقاء المتاجر التقليدية، وهو عامل الاحتكاك مع العملاء Engagement. هناك حاجة فطرية لدى الناس لتفحص الأشياء ومعاينتها وتجربتها والإحساس بمزاياها ومواصفاتها، خصوصاً لفئات المنتجات المرتفعة السعر، أو تلك التي لا تكون المقارنة فيها مهمة عند الرغبة في شرائها لأنها مرغوبة بذاتها. وتفعيل هذا العامل وسيلة فاعلة جداً لبناء علاقات قوية ومثمرة بين الشركة وعملائها.

وفي هذا الاتجاه، نرى شركة تقنية ضخمة مثل أبل، وهي تؤسس لمتاجر متميزة، لتجعل عميلها يعيش تجربة الماركة بشكل حقيقي ومتكامل يمكّنه من تشرّب واستيعاب كافة صفات الماركة الحسية وغير الحسية. بل أن هناك شركات كانت متواجدة أونلاين فقط (مثل شركة النظارات Warby Parker) قد افتتحت متاجر على أرض الواقع لأنها رأت بعينها فوائد الاحتكاك المباشر بعملائها لتشرّب قيم ماركتها ومزاياها. حتى أمازون؛ عملاق التجارة الإلكترونية، طرحت متجراً تقليدياً في سياتل تحت مسمى Go يلغي فكرة الطابور والدفع بفضل التقنيات الرقمية.

ستزدهر التجارة الإلكترونية حتماً، وسيزداد حجمها وسيتسع مداها، وسيدفع ذلك إلى حدوث تغيرات جذرية في المتاجر التقليدية، لن يلغيها، ولكن سيحولها إلى شكل آخر أكثر انسجاماً مع روح العصر.

لن تموت المتاجر التقليدية، لكنها ستتغير. ستتأقلم مع المتغيرات في بيئتها. من سيموت منها هو من يفتقد للقدرة على التكيف.

يجري الآن في السوق إعادة صياغة لمفهوم التسوق، لخلق "تجربة" مختلفة للمتسوقين عما مضى. التسوق القادم سيكون قائماً على خلق تجربة وجو مغرٍ للمتسوق، لا على أسلوب صف المنتجات وتكديسها الخالي من المتعة.