و الربع الخالي و تمره

300 مشاهدة
و الربع الخالي و تمره

الوضع الليلي

"هل أنت سعودي فعلاً؟! الا يحرقك قلبك على عيال بلدك و وظائفهم؟!"

كانت هذه تسميمة البدن التي يقدمها لي صديقي معتز في كل مرة يرى موظفاً غير سعودي يخطو الى شركتنا، و بما أني مسؤول التوظيف فلابد أنه تقصير مني. عبثاً حاولت إقناع معتز بأنني وفريقي نحاول جهدنا لكن ليس الأمر دائما بالممكن أو السهل. حتى أتى ذلك اليوم الذي تولى فيه معتز مشروعاً مهماً لو نجح فيه فستفتح له الآفاق، واتجه الى مكتبي فوراً ليناقش توظيف الكفاءات التي يحتاجها. لم يمض على بداية الاجتماع عشر دقائق حتى صرخ معتز : "اسمعني زين ! سعوديين مو سعوديين اللي هو ! و الله ما راح أعطل مشروعي علشان حضراتكم تكونون أبطال على حسابي!!"

تذكر الروايات أن ضحكتي ظل صداها يتردد لأسابيع بين أروقة الشركة.

لندردش قليلا عن التسويق ومن ثم سنعود الى صاحبنا معتز. ابتكرت شركة يونيليفر رذاذاً يزيل كل الروائح من الأثاث والسجاد و الأقمشة، لكن نجاح هذا المنتج كان محدوداً بدون سبب مفهوم. حتى أرسلت يونيليفر فريقاً من باحثيها لـ "يعيشوا" تقريباً مع سيدة منزل أمريكية تقليدية ويراقبوا عادات ربات المنزل الأمريكيات في التنظيف. اكتشف الفريق حينها أن سيدة المنزل رغم أنها تكره الروائح، لكنها ترغب في نهاية جولة التنظيف أن "تشم رائحة النظافة". أضافت يونيليفر روائح عطرية للرذاذ وفعلا تضاعفت مبيعات المنتج و أصبح "فبريز" قصة نجاح تروى لتذكر أخصائيي التسويق بأهمية فهم عميلك أو عميلتك أكثر مما يفهمون هم أنفسهم.

بعد هذه الخطوة يبدأ استثمارك في الإبداع للحصول على انتباه العميل واستحسانه عبر الدعاية والإعلان، والإبداع إما مغامرة شيقة يقودها العلم، أو حماقة تقودها الإثارة.

مثال الحماقة هو أن تشير الى حب عميلك للجنس بعبارات سوقية تكتبها في لوحات الشوارع أمام أطفاله، ومنتجك هو أساساً شاورما!! وليس منشطات جنسية مثلاً!!

أمثلة الإبداع الذي يقوده العلم سأذكرها باستخدام نظرية رائعة للبروفيسور جوناه بيرجر، الأستاذ في كلية وارتون للأعمال، والذي وجد أن الإعلانات والمنتجات التي تحقق أعلى انتشار و مشاركة بين الناس تحمل في محتواها الصفات التالية:

1. العملة الاجتماعية: رفع صاحبي نظارته على أنفه بكل اعتزاز وهو يحكي لي عن كيف استطاع الحصول على أحدث جهاز هاتف بسعر رائع عندما استخدم تطبيق الاتصالات السعودية. لم تدفع الاتصالات السعودية لصاحبي ريالاً واحداً لكي يحكي لي، لكن إخباره بهذه المعلومة جعله يظهر بشكل حسن وينال اعجابي. أودع في رصيد عميلك عملة اجتماعية يرغب هو في صرفها بين أصدقائه وأقاربه، وتمتع أنت بمبيعاتك.

2. أجراس التذكير: رمضان يذكرك بالفيمتو، وربط منتجك بأحداث أو عادات داخل حياة العميل تجعلك جزءاً من حياته يتذكره ويطلبه باستمرار.

3. المشاعر: ذات الإعلان وصلني في كل مجموعة واتساب ومن كل ناشط واتسابي داخل و خارج السعودية. المدهش أن الإعلان ليس بالعربية، ولا الانجليزية، الإعلان هو فيديو عن قصة مؤثرة جداً باللغة التايلندية يسوق لبوليصة تأمين على الحياة لاتباع أساساً في السعودية. توظيف المشاعر بطريقة صحيحة يجعل اعلانك يتجاوز حدود المكان واللغة.

4. الظهور: خلال هذا الشهر سترى شريطاً زهري اللون ومعقوداً بطريقة معينه في عدة أماكن، غالباً ستميز أن هذا هو الشعار العالمي للتوعية ومكافحة سرطان الثدي. يعود الفضل في تعرفك على الشعار الى الثمانية الاف سيدة  الذين أدخلوا السعودية الى موسوعة جينيس عندما شكلوا أكبر شعار لمكافحة سرطان الثدي في العالم في جامعة الأميرة نورة بتنظيم من شركة "ألف خير". تصميم رسالتك منذ بدايتها لتكون ظاهرة في محتواها وعرضها يعطيها فرص انتشار أكبر بكثير.

5. قصص: تراث البشرية بأكمله انتقل وتوارث من جيل لجيل على شكل قصص بطولات وملاحم. إذا نجحت في حكاية قصة منتجك بالطريقة المناسبة، فتأكد أن منتجك لن يموت أبداً.

نعود الآن الى صديقنا معتز، مطالبته للتوطين كانت بلا شك من منطلق محبته لأبناء وطنه، هذه المحبة تعرضت للاختبار عندما وصلت فاتورة المحبة لمعتز نفسه. ظللنا لسنين نطالب بتوطين قطاعات التسويق والمبيعات و الدعاية و الإعلان، فاتورة هذا التوطين هي ممارسات جديدة وأفكار غريبة ومفاجآت ليست دائما سارة. دورنا الآن كمجتمع يحب أبناءه هو احترام مجهودات ابناءنا، التوجيه المتحضر، والتنظيم الذي يحافظ على قيم الماضي إبداع المستقبل.